المشكلةُ في حيّنا أنّ الأبوابَ تظلُّ مواربة، لا أراها مفتوحةً إلّا لو خرجت منها جنازة، و لا أراها موصدةً إلّا في حالِ كان أهلها يتشاجرون؛
قيلَ لي ألّا أدع الحنينَ يجرّني إليها، و لم أفعل قطّ، فالأبوابُ التّي أحنُّ إليها قد تبدّلت، و السّاكنون قد رحلوا، و الأيّامُ تتوالى على الحيّ و هو يترقّبُ الغيث، و الغيمُ يمرُّ به ساكتاً، هذا ليس دوره بعد
تتداعى الأضواءُ تباعاً، تبدأ الظّلمةُ بابتلاعِ المرأى، و تجتاحُ سكينةٌ مهيبةٌ أرجاءَ الغرفة، ها هنا تتجلّى الأطلال، تبدو ألوانُها واضحة، و صوتُها أكثرُ شدّةً من صوتِ الأنفاس؛
أتلفّتُ حولي، أجدُه جالساً فوق الأرض جذعه مسندٌ إلى الجدار، على غيرِ عادة، فأبتسم.
كانَ يحدّقُ بي في هذه المرّة، خضارُ عينيه باهت، و رأسُه مائلٌ إلى يساره، و مبسمُه لا يتبدّى في الظّلمة؛ أسأل:
"ما بك؟" أجلسُ أمامه كما يجلس، أقتربُ قليلاً، فيعيدُ رأسه إلى الاستقامة، ثمّ يجيب:
"قادمٌ من الذّاكرة."
"و أين المشكلة؟" أسألُ بصوتٍ خافت
"القادمُ من الماضي بلا موطن." ينهض، و يأخذُ خطوتين نحو النّافذة، ألتفتُ إليه و أستأنف:
"إذاً فليصبح حاضراً." أنهض، و أتوجّه إلى النّافذة، أراه يحدّقُ في النّجوم، بدا أنّ الأزمنةَ ليس لها تعاريفُ واضحةٌ في قاموسِه.
"و من ليس قادراً على ذلك؟"
"الحاضرُ ليس قدرة، بل هو مُسَلَّم، يمكنُكَ عيشُه أو استدراكُه أو تركُه يمضي، لا تزالُ موجوداً في كافّةِ الأحوال." ينظرُ إليّ أخيراً، ثمّ و ببطءٍ شديد، يتبدّى مبسمُه في قلبِ العتمة.
يلاحقُني شبحٌ مجهول، أخشى لحظةَ يبلغُني فيها؛
أنا على أتمّ الثّقةِ أنّه غيرُ ملموس، و لكنّ سؤالَ "ماذا لو" عالقٌ في حنجرتي كسكّينٍ صدئ، لا يلبثُ أن يجرحَ كلّما تحرّك، و كلّما جرح، غرسَ أعمق.
أتساءلُ ماذا فعلتُ لألقى كلّ هذه الأذيّة؟ ماذا فعلتُ لكي أخافَ أن أصيرَ جلّاداً و أنا الضّحيّة؟ ماذا فعلتُ لئلّا يُرى دمي المُسالُ بين جدرانٍ مغلقة؟ و لكي تُنسى حياتي المنهوبةُ من بين عينيّ و كأنّها ما كانت؟
أقف و أسمع صدى صوتي، وحيداً، أسوف تظلّ ريحُ هذا الإعصارِ تضربُ بي؟ و الطّيورُ كلّها تحوم حولي، تلومُني و أنا أطلبُ النّجاة لأنّني أعكّرُ عليها سلامَها المصطنع؟
ماذا فعلت؟