خيم السكونُ الثقيل على تلك الغرفة، حيث تكدست أجساد النساء والأطفال كأنهم يحتمون ببعضهم من ريحٍ عاتية توشك أن تهب. لم يكن نوماً، بل كان غيبوبةً من القلق المشوب بالانتظار. الرجال غائبون، هناك خلف الأبواب الموصدة في معركة البقاء، ونحن هنا، عيوننا شاخصة نحو المجهول، نتساءل: "ماذا لو انهار الجدار الذي نستند إليه؟".
فجأة، انشقَّ ثوب الليل بصوتٍ لم يكن غريباً، لكنه كان مرفوضاً. بكاءٌ مخنوق، وصراخٌ يكتمه الوجع، تسلل من خلف الجدران ليعلن الحقيقة التي رفضتها حواسي. "لقد رحل..".
لم أبكِ. تجمدت في عينيّ الدموع كأنها ترفض خيانة الكبرياء الذي علمني إياه. لم يطاوعني قلبي على التصديق؛ فكيف للجبال أن تهتز؟ هو القوي، هو الذي لم يرتجف يوماً، هو الذي يستند عليه الكبير قبل الصغير. كيف لجسدٍ سكنته كل تلك القوة أن يستسلم؟
بقيت في حالة من الإنكار الذهبي، حتى تلك اللحظة التي دخلت فيها الجنازة. هناك، وعند رؤية ذلك الصندوق الذي يحمل قدري، خرجت مني شهقةٌ لم تكن صوتاً، بل كانت تمزقاً في نسيج الروح. حقاً رحلت؟
أين وعودك يا أبي؟ ألم تقل لي "حين أستيقظ، سنذهب لزيارة الإمام علي (عليه السلام)"؟ وأنت الذي لم تخلف وعداً قط، كيف تتركني هنا على رصيف الانتظار؟
من لي بعدك لأريه خدشاً صغيراً في يدي، فيتألم وكأن النصل أصاب قلبه هو؟ من سيأتي محملاً بالهدايا والملابس من بلادٍ بعيدة ليخبرني أنني كنتِ معه في كل خطوة؟
أتذكر أراجيح طفولتي، وصوتك الحنون وهو يناديني: "يلا رسل بابا گعدي خل امرجحج". كنتُ طفلةً بحماقة بريئة، وكنتَ أنتَ العظيم، المهاب، تترك هيبتك ووقارك جانباً، لتجلس بجانبي على تلك الأرجوحة، تضحك لضحكتي، وتنسى عمرك لأجل فرحتي. من سيطعمني بيده الآن؟ ومن سيجعلني أجلس بجانبه كأنني ملكةٌ متوجة؟
هكذا هو الزمان، لا يختطف إلا الشجعان. رحل وهو في كامل عزته وكرامته، حتى وهو على فراش الموت كان يسندنا بصبره، والآن.. انكسر الظهر، وبقينا نحن نلملم شتات أنفسنا في مهب الريح