hb_tcr7

...
          	اليَوْمَ أَفْصَحْتُ عَنْ قَلِيلٍ مِمَّا يُخَالِجُنِي، لَكِنِّي ـ وَلِلأَسَفِ ـ لَمْ أَشْعُرْ بِالرَّاحَةِ؛ بَلْ شَعَرْتُ بِالنَّدَمِ... نَدَمٍ شَدِيدٍ؛ لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنْ كَانَ يَسْتَمِعُ إِلَيَّ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَحَدَّانِي، أَوْ يُسَابِقَنِي لِيَكُونَ أَكْثَرَ أَلَمًا وَأَدَقَّ وَصْفًا لِلْحُزْنِ.
          	
          	فَعِنْدَمَا أُفْصِحُ عَمَّا يُؤْلِمُنِي، أَجِدُ مَنْ يُقَارِنُ جُرْحَهُ بِجُرْحِي، وَكَأَنَّ الْأَوْجَاعَ سَاحَةُ سِبَاقٍ لَا مَجَالَ فِيهَا لِلْإِنْصَاتِ. فَخَرَجْتُ نَادِمَةً عَلَى حَدِيثِي، لَا مُرْتَاحَةً بِهِ.
          	
          	وَأَمَّا الْأُخْرَى، فَلَمْ أَجِدْ فِي رُدُودِهَا إِلَّا اسْتِهَانَةً لَمْ تَقْصِدْهَا رُبَّمَا، لَكِنَّهَا وَصَلَتْ إِلَى قَلْبِي كَذَلِكَ؛ فَخَرَجْتُ مَهْمُومَةً، أَحْمِلُ ثِقَلَ مَا قُلْتُ، وَثِقَلَ مَا لَمْ يُفْهَمْ مِنِّي.
          	
          	أُرِيدُ أَنْ أُوَضِّحَ شَيْئًا: إِنِّي ـ وَرَغْمَ الْكَمِّ الْهَائِلِ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ احْتَضَنْتُ انْكِسَارَاتِهِمْ، وَأَصْغَيْتُ لِحِكَايَاتِهِمْ، وَرَبَّتُّ عَلَى قُلُوبِهِمْ ـ لَمْ أَجِدْ مَنْ يَحْتَضِنُنِي أَنَا.
          	
          	حَتَّى يَدِي... لَمْ يَمْدُدْ أَحَدٌ يَدَهُ لِيَأْخُذَهَا فِي لَحْظَةِ تَعَبٍ. تُرِكْتُ وَحِيدَةً، وَكَأَنَّنِي خُلِقْتُ لِأُجِيدَ دَوْرَ السَّنَدِ لِلْجَمِيعِ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَى نَفْسِي بِلَا سَنَدٍ.
          	
          	أَبِيتُ مَعَ خَيْبَتِي، وَأُصْبِحُ عَلَى حُزْنِي، وَأُخَبِّئُ فِي أَعْمَاقِي كُلَّ مَا عَجَزَتِ الْكَلِمَاتُ عَنْ حَمْلِهِ.
          	
          	وَأَتَسَاءَلُ أَحْيَانًا: هَلْ سَأَجِدُ يَوْمًا مَنْ يَحْتَضِنُ رُوحِي قَبْلَ جَسَدِي؟ مَنْ يُرَبِّتُ عَلَى قَلْبِي قَلِيلًا دُونَ أَنْ يُقَارِنَ أَلَمَهُ بِأَلَمِي؟ مَنْ يَقُولُ لِي: «تَكَلَّمِي... لَا لِأُجِيبَكِ، بَلْ لِأَسْمَعَكِ»؟
          	
          	هَلْ سَيَأْتِي ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي أَجِدُ فِيهِ كَتِفًا لَا يُثْقِلُهُ حُزْنِي، وَيَدًا لَا تَتْرُكُ يَدِي مُعَلَّقَةً فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ؟
          	
          	أَمْ أَنَّ بَعْضَ الْقُلُوبِ كُتِبَ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ مَأْوًى لِلْجَمِيعِ... دُونَ أَنْ تَجِدَ مَأْوًى لَهَا؟
          	
          	بِقلمِ مَن تُحبكُم دَومًا 
          	تُولِين.

hb_tcr7

...
          اليَوْمَ أَفْصَحْتُ عَنْ قَلِيلٍ مِمَّا يُخَالِجُنِي، لَكِنِّي ـ وَلِلأَسَفِ ـ لَمْ أَشْعُرْ بِالرَّاحَةِ؛ بَلْ شَعَرْتُ بِالنَّدَمِ... نَدَمٍ شَدِيدٍ؛ لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنْ كَانَ يَسْتَمِعُ إِلَيَّ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَحَدَّانِي، أَوْ يُسَابِقَنِي لِيَكُونَ أَكْثَرَ أَلَمًا وَأَدَقَّ وَصْفًا لِلْحُزْنِ.
          
          فَعِنْدَمَا أُفْصِحُ عَمَّا يُؤْلِمُنِي، أَجِدُ مَنْ يُقَارِنُ جُرْحَهُ بِجُرْحِي، وَكَأَنَّ الْأَوْجَاعَ سَاحَةُ سِبَاقٍ لَا مَجَالَ فِيهَا لِلْإِنْصَاتِ. فَخَرَجْتُ نَادِمَةً عَلَى حَدِيثِي، لَا مُرْتَاحَةً بِهِ.
          
          وَأَمَّا الْأُخْرَى، فَلَمْ أَجِدْ فِي رُدُودِهَا إِلَّا اسْتِهَانَةً لَمْ تَقْصِدْهَا رُبَّمَا، لَكِنَّهَا وَصَلَتْ إِلَى قَلْبِي كَذَلِكَ؛ فَخَرَجْتُ مَهْمُومَةً، أَحْمِلُ ثِقَلَ مَا قُلْتُ، وَثِقَلَ مَا لَمْ يُفْهَمْ مِنِّي.
          
          أُرِيدُ أَنْ أُوَضِّحَ شَيْئًا: إِنِّي ـ وَرَغْمَ الْكَمِّ الْهَائِلِ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ احْتَضَنْتُ انْكِسَارَاتِهِمْ، وَأَصْغَيْتُ لِحِكَايَاتِهِمْ، وَرَبَّتُّ عَلَى قُلُوبِهِمْ ـ لَمْ أَجِدْ مَنْ يَحْتَضِنُنِي أَنَا.
          
          حَتَّى يَدِي... لَمْ يَمْدُدْ أَحَدٌ يَدَهُ لِيَأْخُذَهَا فِي لَحْظَةِ تَعَبٍ. تُرِكْتُ وَحِيدَةً، وَكَأَنَّنِي خُلِقْتُ لِأُجِيدَ دَوْرَ السَّنَدِ لِلْجَمِيعِ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَى نَفْسِي بِلَا سَنَدٍ.
          
          أَبِيتُ مَعَ خَيْبَتِي، وَأُصْبِحُ عَلَى حُزْنِي، وَأُخَبِّئُ فِي أَعْمَاقِي كُلَّ مَا عَجَزَتِ الْكَلِمَاتُ عَنْ حَمْلِهِ.
          
          وَأَتَسَاءَلُ أَحْيَانًا: هَلْ سَأَجِدُ يَوْمًا مَنْ يَحْتَضِنُ رُوحِي قَبْلَ جَسَدِي؟ مَنْ يُرَبِّتُ عَلَى قَلْبِي قَلِيلًا دُونَ أَنْ يُقَارِنَ أَلَمَهُ بِأَلَمِي؟ مَنْ يَقُولُ لِي: «تَكَلَّمِي... لَا لِأُجِيبَكِ، بَلْ لِأَسْمَعَكِ»؟
          
          هَلْ سَيَأْتِي ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي أَجِدُ فِيهِ كَتِفًا لَا يُثْقِلُهُ حُزْنِي، وَيَدًا لَا تَتْرُكُ يَدِي مُعَلَّقَةً فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ؟
          
          أَمْ أَنَّ بَعْضَ الْقُلُوبِ كُتِبَ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ مَأْوًى لِلْجَمِيعِ... دُونَ أَنْ تَجِدَ مَأْوًى لَهَا؟
          
          بِقلمِ مَن تُحبكُم دَومًا 
          تُولِين.

hb_tcr7

..
          
          كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَتَحَدَّثَ بِشِدَّةٍ عَمَّا يَخْتَلِجُ فِي دَاخِلِي، وَأَنْ أُفْضِيَ بِمَا أَثْقَلَ قَلْبِي وَأَرْهَقَ رُوحِي، لَكِنِّي قَرَّرْتُ أَنْ أَسْتَمِعَ إِلَى "رُفَّ يَا عَلَمُ".
          
          وَبَيْنَمَا أَنَا غَارِقٌ فِي تِلْكَ الْأَلْحَانِ الْمُشْبَعَةِ بِالْوَلَاءِ وَالْحَنِينِ، رَأَيْتُ يَدِي تَمْتَدُّ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ إِلَى أَحَدِ الْكُتُبِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الْكَافِلِ، أَبِي الْفَضْلِ الْعَبَّاسِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
          
          فَعَرَفْتُ يَوْمَهَا أَنَّ أَحْسَنَ اخْتِيَارٍ أَلْجَأُ إِلَيْهِ عِنْدَمَا تَضِيقُ بِي الْكَلِمَاتُ، وَتَتَزَاحَمُ الْهِمُومُ فِي صَدْرِي، هُوَ أَنْ أَفْتَحَ صَفْحَةً مِنْ سِيرَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَأَقْرَأَ شَيْئًا مِنْ مَصَابِهِمْ وَصَبْرِهِمْ وَعَظِيمِ ابْتِلَائِهِمْ.
          
          فَعِنْدَهَا يَتَغَيَّرُ مِيزَانُ الْأُمُورِ فِي عَيْنَيَّ، وَأَرَى أَنَّ مَا كَانَ يَشْغَلُنِي وَيَسْتَنْزِفُ تَفْكِيرِي، لَيْسَ إِلَّا أَمْرًا صَغِيرًا يَذُوبُ أَمَامَ عَظَمَةِ تِلْكَ الْمَصَائِبِ الَّتِي حَلَّتْ بِآلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
          
          فَمَا أَضْيَقَ هُمُومَنَا حِينَ تُقَاسُ بِكَرْبَلَاءَ، وَمَا أَصْغَرَ أَوْجَاعَنَا حِينَ تَقِفُ أَمَامَ صَبْرِ الْعَبَّاسِ، وَثَبَاتِ الْحُسَيْنِ، وَدُمُوعِ زَيْنَبَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. فَنَخْرُجُ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَقُلُوبُنَا أَخَفُّ حِمْلًا، وَأَقْرَبُ إِلَى الرِّضَا، وَأَشَدُّ يَقِينًا بِأَنَّ بَعْدَ الْعُسْرِ يُسْرًا. 
          
          بِقلمِ مَن تُحبكم دَومًا 
          تُولين .

hb_tcr7

اختباراتُ الحياة
          
          مَررتُ باختباراتٍ كثيرةٍ في هذه الحياة، وما من اختبارٍ مرَّ بي إلا وترك في روحي أثرًا أو علَّمني درسًا. حتى تلك الجراحُ التي ما زلتُ أعجز عن تجاوزها، فقد منحتني من الحكمة ما لم تمنحني إيّاه أيُّ أيامٍ هادئة.
          
          غير أنَّ هناك اختبارًا يتكرر بين حينٍ وآخر، كأنَّه يُصرُّ على تذكيري بخطئي ذاته؛ خطأ أن أُعطي أكثر مما آخذ، وأن أبذل من قلبي ما يفوق طاقته على الاحتمال.
          
          لذلك أرى أناسًا لا يعرفونني إلا قليلًا، ومع ذلك يُحبونني، ويأتمنونني على أسرارهم، ويُلقون على عاتقي ما أثقل صدورهم. أمَّا المقرَّبون، فيتركون أحمالهم عندي ويرحلون مطمئنين، ويصفونني بأنني كالأمِّ في حنانها وسعة صدرها.
          
          والأعجب من ذلك أنَّهم جميعًا يؤكدون أنني لا أُعوَّض، وأنَّ غيابي يترك فراغًا لا يملؤه أحد.
          
          لكنَّني اكتشفتُ مؤخرًا حقيقةً مُرَّة:
          
          أنَّ الطيبة التي لا تعرف حدودًا تتحول إلى استنزاف، وأنَّ القلب الذي يهب نفسه للجميع قد يجد نفسه فارغًا في النهاية.
          
          وحين يجد هؤلاء شخصًا مؤقتًا يُغنيهم عن وجودي، يرحلون بلا تردد، وكأنَّ كلَّ ما بيننا كان قابلًا للاستبدال. لكنهم يكونون على يقينٍ دائمٍ بأنهم إن عادوا يومًا فسيجدونني كما كنت.
          
          وللأسف...
          
          أنا شديدةُ الملاحظة.
          
          في كلِّ مرةٍ أشعر فيها بأنَّ مكانتي قد انتقصت، أو أنَّ محبتي لم تعد تُقابَل بالقدر ذاته، ينطفئ شيءٌ صغيرٌ في داخلي. تتناقص محبتي بصمت، وأبتعد بهدوء، وأقطع خيوط العلاقة تدريجيًا دون ضجيج.
          
          وفي النهاية يعودون جميعًا.
          
          يعودون معتذرين، نادمين، متأسفين، يرجون السماح وكأنَّ الزمن لم يمضِ، وكأنَّ القلوب لا تُرهَق.
          
          لكنَّهم لا يدركون أنَّ الشمعة إذا احترقت حتى آخر فتيلها، فلن يوقظها الاعتذار من رمادها.
          
          و بَينما اكتب هذا النص 
          يتجول في ذهني هذا الشِعر :
          
          دَلَّيتك عَلى الفَرَح، يَالعلَّمتني البِچي،
          وَلَو تِدري يا صاحبي صَدري شگد بيه حَچي.
          
          مِن كَثر ما مُبتلي، لِساني بِسكوته اكتفى،
          ومَشكور... ما قصَّرت، فَضلك شلون أوصِفه؟
          
          بِصَدري غَرست الرُّمح،
          وتِحطلي سُمّ عَلى الجُرح، وتگلي: بيه الشِّفا؟
          
          وكل هاي... وما يِقتنع گَلبي، ويِحسبك وَفي،
          شگد غَشيم الگلب، يِرتجي مِنك وفَه.
          
          فبعضُ الدروس لا تأتي لتُعلِّمنا كيف نُحب، بل كيف نضع حدودًا لقلوبنا؛ لأنَّ القلب الذي يُضيء الطريق للجميع، ليس مُجبرًا أن يحترق لأجلهم جميعًا.

hb_tcr7

بعض الأغاني لا تُسمَع... بل تُعاش.
          
          وهنالك كلمات لا تمرّ على الأذن مروراً عابراً، بل تستقر في الروح وكأنها كُتبت لها منذ الأزل.
          
          "شگول عليك؟ راح أنساك..."
          
          هكذا افتتح الشاعر أغنيته، لا بكلماتٍ عادية، بل بعتابٍ ثقيلٍ كغيمةٍ محمّلة بالمطر، عتابٍ يحمل بين حروفه وجع الخذلان ومرارة الأذى. بدا وكأنه اتخذ قراره أخيراً؛ أن يطوي الصفحة وينسى.
          
          لكن كيف للقلب أن يلتزم بما يقرره العقل؟
          
          فما إن قال: "راح أنساك"، حتى فضحته روحه قبل لسانه، وأكمل:
          
          "روحي وياك."
          
          وهنا تبدأ الحكاية.
          
          فكيف ينسى الإنسان روحه؟
          وكيف يترك جزءاً منه ويكمل طريقه كأن شيئاً لم يكن؟
          
          معادلةٌ بلا حل، وسؤالٌ بلا جواب، جعلت الشاعر يتراجع عن قراره، ويعود ليسأل من جديد، بخيبةٍ أكبر من قدرته على الاحتمال:
          
          "شگول عليك؟ أظل زعلان؟"
          
          وكأن المعنى:
          أأغضب منك؟ أتظاهر بأنك لم تعد تعنيني؟
          أتجاوزك كما يتجاوز الناس الأشياء العابرة؟
          
          لكن القلب كان أسرع من العقل مرةً أخرى.
          
          فجاءه الجواب موجعاً:
          
          "أظل زعلان؟ مُر فرگاك."
          
          وكأن الغياب لم يعد مجرد مسافة، بل طعمٌ مرّ يملأ الأيام كلها.
          فبعد أن ذاق الحلو بقربه، جِرع مُره
          ولهذا ظل الشاعر يدور في الدائرة ذاتها...
          يسأل، ويعيد السؤال، ويكرر:
          
          "شگول عليك؟"
          
          حتى تحولت الحيرة إلى استفهام ،
          وتحوّل السؤال إلى عنوان الأغنية نفسها.
          
          وفي النهاية لم يبقَ لديه سوى اعترافٍ أخير،
          اعترافٍ يقطر شوقاً وانكساراً:
          
          "شوف شسوه بيه چفاك...
          تعال، عيوني بلياك ما عاود واسليها."
          
          وكأن الجفاء لم يؤلمه وحده،
          بل أطفأ الأشياء كلها من حوله،
          حتى عينيه لم تعودا تعرفان كيف تتصالحان مع الغياب.
          
          وفي الحقيقة...
          لسنا نُحب هذه الأغنية لأنها جميلة فحسب،
          بل لأن كلاً منا يخبئ في قلبه شخصاً ما،
          شخصاً جعله يوماً يقف حائراً بين العقل والروح،
          ويتمتم بصوتٍ لا يسمعه أحد:
          
          "شگول عليك؟". 
          
          بِقلمِ مَن تُحبكم دَومًا 
          تُولين.

hb_tcr7

..
          
          أُغرمُ بتصويرِ ما يَزهدُ فيهِ الناس؛
          شجرةٍ ذابلةٍ أكلَها الذبول، أو إناءٍ مُفرغٍ يَتيهُ فيهِ الصدى، وربما التقطتُ صورةً لشيءٍ عابرٍ لا يلتفتُ إليهِ أحد، كأنّي أُؤرِّخُ بعثرَةَ روحي من خلاله.
          أستهوي ما تُقصيهِ الأعين، وأميلُ إلى الأشياءِ التي يمرّ بها الجميع دون اكتراث، لأنّي أرى فيها حياةً خفيّة لا يُبصرها سواي.
          ولعلّ تعلّقي بما لا يهواهُ الناس ليس نزوةً عابرة، بل رغبةٌ دفينةٌ في أن يبقى ذلك الجمالُ لي وحدي؛ بعيدًا عن ازدحامِ القلوب، وعن أيدي الاعتياد التي تُفسدُ دهشةَ الأشياء حين تصبحُ مألوفة.
          
          تُولين.

hb_tcr7

          ليلةٌ هادئة…
          لكن لا صاحبَ ظلٍّ طويلٍ يُرافق وحدتي،
          ولا كتفٌ أُسند إليه ثِقلَ ما يضجُّ في صدري من كلامٍ مؤجَّل.
          ومع ذلك أكتب…
          لعلَّ الحروفَ تُنادي روحًا تشبهني،
          روحًا لا تخافُ من العتمة، ولا ترتبكُ من عمق الشعور.
          
          أكتبُ لعلَّني أجدُ ذاتَ يومٍ صاحبَ ظلٍّ يطلُّ عليَّ برفق،
          فأقولُ لهُ كلَّ ما أخفيتُهُ خلف ابتساماتٍ مُتعَبة،
          وكلَّ ما عجزَ الصوتُ عن البوحِ به.
          أقولُ لهُ ما في قلبي دون خوفٍ من أن تتحوّل أسراري يومًا إلى حديثٍ عابرٍ على ألسنة الناس،
          فبعضُ الأرواح لا تُريدُ أكثرَ من أمانٍ صغيرٍ يحفظُ ارتجافها.
          
          أُريدُ شخصًا إذا تحدّثتُ إليهِ شعرتُ أن الكلماتِ تنامُ مطمئنّةً بين يديه،
          وأنَّ قلبي لا يحتاجُ بعد ذلك إلى الاختباء.
          شخصًا نتقاسمُ معهُ الظلال،
          فنصيرُ معًا ظلّين طويلين في طريقٍ واحد،
          لا يُطفئهما الغياب،
          ولا تُفرِّقهما الريح.
          
          بِقلمِ مَن تُحبكُم دَومًا 
          و تَتمنى لكُم عيدًا سعيدًا ..
          تولين .

hb_tcr7

لولحَت عيني لجَيتك
          انحًب وادگ لفرگتك
          ماحَصلت من عشرتَك غير النَحب والنايحَة
          انحَب على فراگَك وادِگ
          وشحَصلت من هَل عشگ
          الناِس تاكِل بالعثِگ
          وانِي اركُض على الطايحَة
          اركُض على الطاحَت وأجِد
          تالِي صُفر إيدِي ترد
          بأيدي زرعتَك ياورِد
          ولـ غِيري تنطِي الرايحَة
          ريحتَك فاحَت للمَلا
          وتحرمنِي يارِيم الفَلا؟
          شخصَك عليَشبدلَة؟
          مامِش صديق الينصحَة؟
          مَحد ينصحَك يابَدر!!
          وتغَيِب نجوم الهَجر
          سَكران بِجفاك الفِكر
          مايوُم يمدَلل صَحى
          ماصَحى فِكري بغيبتَك
          چا هذا تالِي مروتَك
          انطِيك چف محَبتك
          وانتَ لـ عَدوي تصافحَة؟!!
          -جابِر الكاضِمي-

hb_tcr7

كُنتُ دائمًا حالِمَةً،
           أزرعُ في الغَدِ يقينًا بأنَّ الفجرَ سيأتي أبهى.
          وكنتُ، كلّما سقطتُ، 
          أُربّتُ على قلبي وأقول: لا بأس، 
          ما زال في الطريقِ نورٌ ينتظركِ.
          لكنّ الأمنيّاتِ أثقَلَت خُطاي،
           والخساراتُ تتابعت حتّى غدتْ صَوتًا داخليًّا
           يُذكّرني كم تعبتُ.
          لم أُسلِّم، لكنّني كففتُ عن التمنّي.
          صِرتُ أرى الحُلمَ، فأشيحُ عنه،
           كأنّني أعرفُ تمامًا أنّ نيله لن يُبهجَني.
          لقد تراكمَت الأمنيّاتُ في قلبي،
          كغُبارٍ على رفٍّ مهجورٍ من العمر،
          ولم أجد رُكنًا أُودِعُ فيهِ ما فاتَني،
          فآويتُ إلى نفسي...
          إلى قلبٍ ما عادَ يحتملُ ما تَركتْهُ الأحلامُ من أثر.

hb_tcr7

مُنْذُ أَيّامٍ مَرَرْتُ بِجِوارِ مَقْبَرَةِ النَّجَفِ،
          وادي السلام،
          فَتَوَقَّفَ عَقْلِي المُثْقَلُ بِضَجِيجِ الدُّنْيا هُنَيْهَةً عَنِ التَّفْكِيرِ.
          إِنَّ رُؤْيَةَ ذٰلِكَ الامْتِدادِ الهائِلِ مِنَ القُبُورِ أَيْقَظَتْ فِي رُوحِي سُؤالًا مُرْهِقًا:
          «أَتَسْتَحِقُّ الدُّنْيا كُلَّ هٰذا العَناءِ، وَمَصِيرُنا جَمِيعًا إِلَى تُرابٍ واحِد؟»
          
          فِكْرَةُ أَنَّ الإِنْسانَ يَلْهُو بِزِينَةِ الحَياةِ، غافِلًا عَن آخِرَتِهِ،
          أَلْقَتْ فِي قَلْبِي شُعورًا ثَقيلًا مِنَ الضَّياعِ وَالأَسَى،
          وَكَأَنَّنا نَسِينا لِماذا خُلِقْنا أَوَّلَ مَرَّةٍ،
          وَلِأَيِّ غايَةٍ نَمْضِي فِي هٰذِهِ الرِّحْلَةِ القَصيرَةِ.
          
          وَبَيْنَما أَنَا غارِقَةٌ فِي تِلْكَ الأَفْكارِ،
          قَطَعَ سَيْلَ تَأَمُّلاتِي وُصولُنا إِلى
          روضة الشهداء.
          وَلَنْ أَقُولَ: «مَقْبَرَة»،
          فَالشُّهَداءُ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
          
          آهِ… وَما أَعْظَمَ مَعْنَى الشَّهادَةِ!
          إِنَّها وِسامُ فَخْرٍ يَتَوَهَّجُ عَلَى صَدْرِ كُلِّ عائِلَةٍ عِراقِيَّةٍ،
          وَمَقامٌ لا يَبْلُغُهُ إِلّا مَنِ اصْطَفاهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ.
          
          تَلَأْلَأَتْ عَيْنايَ بِالدُّمُوعِ وَأَنَا أَرَى أُولٰئِكَ الشُّبّانَ،
          الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا مِنَ الحَياةِ إِلّا قَليلًا،
          لٰكِنَّهُمْ فازُوا بِأَعْظَمِ انْتِصارٍ…
          فَوْزِ الشَّهادَةِ وَالخُلُودِ فِي الذِّكْرِ وَالأَثَرِ.
          
          وَخِتامًا لِكَلامِي،
          أَحْسِنُوا ذِكْراكُمْ فِي هٰذِهِ الدُّنْيا،
          فَنَحْنُ مِنْ تُرابٍ، وَإِلَى التُّرابِ نَعُودُ،
          فَلا يَبْقَى لِلإِنْسانِ إِلّا سِيرَتُهُ، وَلا يَنْطِقُ بَعْدَ الرَّحِيلِ إِلّا أَثَرُهُ.
          
          كُونُوا يَقِظِينَ لِأَفْعالِكُمْ،
          فَالدُّنْيا ظِلٌّ زائِلٌ، وَالعُمْرُ رِحْلَةٌ عابِرَةٌ،
          وَتَذَكَّرُوا دَوْمًا:
          
          «وَلَسْنا إِلّا عابِرِينَ نَبْتَغِي
          حُسْنَ الخِتامِ وَطِيبَ الأَثَرِ.»
          
          بقلمِ مَنْ تُحِبُّكُمْ دَوْمًا…
          تُولِين.

hb_tcr7

"ما بيهِن دمع.. ذبلانة الچفون،
          وإذا ما بچِن ما أسمّيهن عيون،
          بعد ما أشوف بيهِن لا تچوني،
          خلص مايهن.. راحت عيوني.."
          
          أسوأ ما قد يمرّ به الإنسان،
          هو نفاد رصيده من الدموع..
          عيونه اللّي چانت تعبّر عن ما عجز اللسان عن وصفه،
          خانته.. وچفّت.
          
          عيونه تعبت من الحزن،
          بس روحه بعدها تحترگ..
          هنا راح توصل لمرحلة،
          يتراكم  الكلام بداخلك،
          ودموعك هم تتراكم عليك،
          بس ما بيدك غير تصفن عليهن..
          
          أني أشوف أكثر أغنية توصف هاي اللحظات،
          أغنية الفنان كريم منصور «ما بيهن دمع».
          هاي الأغنية شرحت هواي كلام بداخلنا،
          ما گدرنا نترجمه لا بالكلام، ولا حتى بالدموع..!
          
          هنا الشاعر يوصف نفسه مثل الحارس،
          اللّي يحرس حزنه خوفًا من الناس تشوف ضعفه وتتشمّت بيه،
          وكريم منصور يگول:
          
          "چنت طير، وأطيرن وين ما أروح،
          هسّه الشوف حدّ مدّت الإيد.."
          
          وهنا الشاعر ما يوصف حرّية المكان، لا..
          يوصف حرّية الشعور،
          عن أبسط شي انحرمنا منه..
          
          بس بالنهاية،
          هاي الأغنية جانت توضّح النا قوّتنا الحقيقية،
          قوّة البقاء، وقوّة الاستمرار..
          
          فالقوّة مو إنّ دموعك ما تنزل،
          القوّة هي إنّك تستمر،
          حتى لو جناحك مگصوص.. 
          
          بِقلمِ مَن  تُحبكُم،
          تُولين.