itslinalans
عمود الكهرباء...
لم يبدُ عمودُ الكهرباء القائم عند طرف الطريق هيكلًا جامدًا تُثقله العزلة، بل بدا كأنه يختزن في سكونه معنى الحياة حين تتوارى خلف مظاهرها. تسري داخله أسلاكٌ ممتدةٌ في جهات شتى، لا تنتظم على نسقٍ واحد، بل تتباعد طورًا وتتداخل طورًا، كأنها خفقاتُ شعورٍ لا تستقر على حال؛ يمرّ فيها الرقيق الخافت مرّ النسيم، ويشتدّ فيها المتوتر حتى يكاد ينقطع، ويتردد بينها ما يضطرب ويهدأ ويتيه دون وجهة.
ولم تكن اضطراب تلك الأسلاك عبثًا، بل كان لاختلالها نظامًا خفيًّا لا يُدرك للوهلة الأولى؛ يعلو بعضها فوق بعض، ويتشابك ما بينها حتى ليخال الناظر أن اجتماعها ممتنع، وأن ما تحمله لا يمكن أن يأتلف في أثرٍ واحد، ومع ذلك كان النور ينبثق منها، يخرج من بين هذا التنافر بسكون.
غير أنّ ذلك الضوء لم يكن ليقوم لو انقطع خيطٌ واحد من تلك الخيوط، فكأن تمامه مرهونٌ ببقاء ذلك التعدد كلّه، على ما فيه من اضطرابٍ. فكان الضوء يُولد إذاً، لا صافيًا ولا ثابتًا، بل نابضًا.. يخفت ويقوى، يضطرب ويستقر، كأنه خلاصة ما جرى في تلك الأسلاك من توترٍ وسكون.
وعند ذلك تبيّن لي أن الفؤاد لا يستضيء بصفاء العاطفة وحدها، ولا يقوم على اعتدالها التام، بل بما يختلط فيها من تناقض، وما يبقى منها رغم عصف الاضطراب؛ وأن النور، مهما اختلّ، لا يرتقب كماله ليكون، بل تكفيه شرارة الوجود، إذ ليس شأنه أن يثبت على حال، بل أن يظلّ مضيئا.
لِينَة..