أصدقائي الأعزّة،
أكتب إليكم هذه المرة لا كروائية تروي، بل كروحٍ مثقلة لا تعرف كيف تمضي ولا كيف تتوقف.
أنا تائهة… بين أوراقي البيضاء والفصول التي لم تولد بعد.
كلّما هممتُ أن أكتب، شعرتُ بثقلٍ يضغط على صدري حتى تتبعثر الحروف بين يديّ كالرمال، فلا أستطيع جمعها ولا تشكيلها في جملةٍ متماسكة.
روايتي التي أحببتها صارت كمرآةٍ مشروخة؛ كلّما اقتربتُ منها جرحتني، وكلّما ابتعدتُ عنها طاردتني.
لا أقدر أن أكملها، ولا أجرؤ أن أتركها… كأنني سجينة بين بداية لم تكتمل ونهاية لا تقترب.
لستُ أبحث عن عزاءٍ أو عذرٍ، بل عن بعض الصدق معكم: أن أقول لكم إنني غارقة في هذا الفراغ، أفتش عن نفسي في نصوصي ولا أجدني.
شيءٌ ثقيل، غامض، يسكنني… يمنعني من ترتيب كلماتي، من صياغة فصولٍ كنتُ أظنها ستولد بسهولة.
سامحوني إن أطلتُ الصمت، وامنحوني قليلًا من الدعاء… علّ الطريق يتضح، وتجد الرواية بابها إليّ، وأجد أنا بابي إليها.
يا لفراغ الحلق حين يعلو الصدى،
ويا لوجيب الصدر إذا استحالت الأضلعُ أقفاصًا من دخان.
ثمة وخزٌ غامض يتسلل إلى مسارب النفس،
كأنه طَيفُ غيمةٍ مجروحة،
يتدلّى من غفوة الفجر…
ويهمس في فمي بملحٍ لا يراه سواي.
ما هذه الخنقة التي تتعرّش في أوردتي كداليةٍ عجفاء؟
ما هذا الليل المائل على رئتي،
كستارٍ ثقيل،
يتدثّر فوق شهيقي،
ويدوزن أنفاسي على مقام الرحيل؟
أشعر أن الحروف تتخاصم في حنجرتي،
كعصافير مذعورةٍ في عتمة المخازن،
تتناثر،
ثم تصمت،
ثم تعود تطرق جدران الذاكرة بمناقيرٍ من رماد.
كلّما حاولت مدّ يدي إلى الضوء،
استحال الضوء خنجرًا في يدي،
وارتجفت روحي كزجاج نافذةٍ وحيدة في بيتٍ منسيّ.
يا لتلافيف القلب،
كيف تصطفّ فيها الوجوه الغائبة كأشباح الولائم القديمة،
وكيف ينعقد الصوت في الصدر،
كغيمةٍ أُخّرت عن المطر.
أيتها الخنقة،
أقسم، ما عدتُ أدري:
أأنتِ نذير شجنٍ قديم،
أم ولادةٌ جديدة للعدم؟
في هذه اللحظة،
أشتهي لو أفرش صدري على رابيةٍ بعيدة،
أُهدهد غصّتي تحت سماءٍ لا تعرف العتاب،
أُفرغ آخر ما في القصبة الهوائية من وجع،
وأعود،
أقلّ وزنًا من حلم،
وأكثر صمتًا من قبر.
يا رب،
يا مُطمئن القلوب حين تتيبّس،
ويا مَن بيده مفاتيح الغيم،
امسح عن رئتي غبار الليالي العقيمة،
واسكب في ضلوعي نسمةً،
تنقذني من هذا الاحتضار الصامت.
"مكتوب من ظلّي إليكم"
يا أنقياء الحرف الذين أحبّوني في حضوري،
وصبروا عليّ في غيابي،
أكتب إليكم الآن من طرف التعب،
من زوايا الغربة التي لم تنتهِ بعودتي، بل بدأت من جديد.
أعرف أنني انسحبت بصمت،
كأنني نَفَسٌ اختنق في منتصف القصيدة،
لكن والله، ما كان الغياب جفاءً،
ولا كان السكوت نسيانًا…
كنت فقط أعود إلى الوطن،
أحمل قلبي بين الطرقات،
أحاول أن أستوعب الأرض التي ما عادت كما كانت،
وأنا… التي لم أعد كما كنت.
غابت عني شبكة، وغابت عني راحة،
وغاب عني الوقت الذي كنت أرتّب فيه وجعي على ورق،
حتى تراكضت الأيام،
وجاءني المرض على حين لهفة،
فأربكني… وأسكنني في جسدي كأنني نزيلة لا تجيد المغادرة.
أكتب إليكم لا لأحزن قلوبكم،
ولا لأُحمّلكم شيئًا من أوجاعي،
بل لأنّي أؤمن أن الدعاء حين يخرج من قلوبٍ تشبه قلوبكم…
لا يُرد.
فادعوا لي...
كما لو أني قصيدة تتمنّون ألا تنتهي،
كأنّي سطرٌ حزينٌ منكم وفيكم…
وتخشَون عليه من البياض القاسي.
سأعود،
حين يهدأ جسدي،
وحين يطمئن قلبي أن هناك من ما زال ينتظر نبضي بين السطور.
–صديقتكم، كاتبتكم
التي لا تكتب إلّا منكم واليكم،
ولا تشبه سوى ظلّها في أعينكم.
@ixjwxc
شفاكِ الله بشفاء لا يُغادر سقمًا، ومدَّ يده البيضاء الكريمة لكِ بكل ما وهب من خيرٍ لعباده ..
لن أُخفيكِ فقد مسني نوع من الحزن على ما أسلفتي عنه، وإني لكِ لمُحبة وأخشى عليكِ من طرفة العين، لكني أثق بالله وبلُطفه كل الثقة.
فاللهم إحتسب أجرها على صبرها، وخفِّف عنها ما يُثقل كاهلها، و أبعد عنها السقم إذ مسّ أو أهلك روحها قبل جسدها.
إن ليس لي حيلة سوى في الدعاء؛ فها أنا أدعوا الله بقلب صادق، راجٍ، ومُحب، وماذا لي غير ذلك؟
فلو كان لي المواساة لفعلت، ولو كان لي الإحتضان والإحتواء لفعلت، ولو كان لي الشفاء لفعلت.. وإن كان من القدر القليل.
وأما عن أحبتكِ، أحبتكِ؟ أهذا وصفٌ يجوز؟!
فلا خوف علينا ولا زعل، إنما نحن مُنتظرون وهاهنا قاعدون، فأنما إستعدتِ عافيتيكِ، فإننا هنا مُهللِّون، وأنما إستعدتِ نفسكِ ، فإننا هنا شاكرون.
لكِ شوقنا ولكِ دُعائنا، يافتاة البدر♡