أحيانًا ، نُطفئ النور كي نرى أنفسنا بصدق ،
نصغي للصمت ، لأنه لا يكذب .
نتعلّق بأشياء لا تُرى ، ونكتب لمن لا يقرؤون ، لأنّ فينا حاجة لأن نكون ، حتى لو لم ينتبه أحد لوجودنا .
نحن الذين ينهضون من خيبةٍ إلى أخرى ،
بيدٍ ترتجف ، وقلبٍ يقول : لا بأس ... ما زلتُ هنا ..
استيقظتُ باكرًا هذا الصباح ، قبل أن تستيقظ المدينة ، قبل أن يُعلن الضوء عن نفسه . كانت النافذة نصف مفتوحة ، والهواءُ ينسلُّ منها بنعومةٍ شتويّة ، رغم أن التقويم يصرخ : تموز ! ... الغريب أن البرد لم يكن في الطقس فحسب ، بل في صدري أيضًا .
خرجتُ من المنزل بخطى صامتة ، كأنني أهرب من شيءٍ ما ، أو ربما من نفسي . الشوارع كانت شبه خاوية ، لا شيء يتحرك إلا ظلّي . الأرصفة بدت نائمة ، والإشارات المرورية تومض بلا جمهور … والمحال موصدة ، كقلوبٍ فقدت الرغبة .
ومن عمق المقهى ،
ينبعث صوتُ القرآن ، كضوءٍ يتخلّل الهواء ،
كأنّ السور تنفّست بين الجدران ثم خرجت تبحث عن قلبٍ مأهول بالحيرة .
تنساب الآيات كلمسةٍ غير مرئية ،
كأنّها أنامل الرحمة تُمسد على أرواحٍ أنهكها التيه ..
القهوة على الطاولة كأنّها نذرٌ قديم ،
تتصاعد منها رائحة الحنين ،
والهال يعزف لحنًا خافتًا في الفراغ ،
بخارُها يتراقص فوق الفنجان ،
ليس بخارًا ، بل شبحُ حكايةٍ لم تُروَ بعد ،
تدور حول رجلٍ جلس في زاوية مقهى
ينتظر شيئًا لا يعرفه ، أو يعرفه ولا يملكه .
وقفتُ أمام الضوء الخافت ، أُحادث صمتي .
قلت له :
لستُ متأكدًا من كينونتي ...
كأنني نسمة عبرت حلمًا ثم نسيت أن تعود .
كأنني لم أولد كما يولد البشر ،
بل سقطتُ من سطرٍ شاردٍ في قصيدة لم تُكتمل .
أعيش ، نعم …
لكنني لا أتنفّس كما يتنفسون .
روحي ضيّقة على هذا الجسد ،
تشتاق لمكانٍ لا اسم له ، لا زمن ، لا نهاية .