nahla_zaghloul

كان "عاصي" يخوضُ حرباً ضروساً ضدَّ عاطفةٍ قررَ وأدَها منذُ زمن؛ تظاهرَ بالبرودِ أمامَ العائلة، وانكبَّ على أوراقِهِ يدعي الغرقَ في ملاحظاتِهِ الجافة، متسائلاً بنبرةٍ يملؤها الزيف: "وعايزني أعملها إيه؟". لكنَّ وما إن أُغلقَ بابُ المكتبِ خلفهما، حتى تفجّرَ البركانُ الخامد؛ أطاحَ بكلِّ ما استقرَّ فوقَ سطحِ المكتبِ الخشبيِّ في ثورةِ جنونٍ صامتة، كأنَّهُ يحاولُ تهشيمَ صورةِ "ندي" التي استوطنتْ خلايا عقلِه.
          انتصفَ الليلُ، وحين غادرَ الشقة، لم يكنْ يقصدُ سوى تلكَ البقعةِ التي ترقدُ فيها روحُه؛ راقبَ عائلتَها من بعيدٍ وهم يغادرونَ بخطواتٍ مبعثرة، ثمَّ تسللَ كظلٍّ غريب، دافعاً الأموالَ في يدِ الممرضةِ التي ارتجفتْ فرائصُها وهي تهمسُ بمنعِ الزيارة. لم ينتظرْ إذناً، بلْ ولجَ الغرفةَ وأوصدَ البابَ خلفَهُ، ليحبسَ العالمَ في الخارجِ ويختلي بوجعِه.
          خلعَ معطفَهُ وألقاهُ بإهمال، ثمَّ انحنى بجسدِهِ الفارعِ فوقَ سريرِها؛ أحاطَ وجهَها الشاحبَ بكفيهِ، وكأنَّهُ يحاولُ لملمةَ شتاتِ ملامحِها التي أرهقتْها الجراحةُ،أطلقَ تنهيدةً طويلةً مبللةً بالشوقِ والندم، وهمسَ بصوتٍ يتهدجُ بالاعتراف: "أنتِ طلعتِ لي منين؟ ما سِبْتِيش تفكيري لحظة!".
          كانَ مظهرُ المحاليلِ المعلقةِ في كفِّها الأيمنِ يمزقُ نياطَ قلبِه، فرفعهُ إلى شفتيهِ، طابعاً قبلةً حانيةً تجردَ فيها من أقنعةِ زيفِ القسوة؛ في تلكَ اللحظةِ، سقطتْ حصونُ "العاصي" النرجسية، ولم يبقَ سوى رجلٍ مهزومٍ أمامَ كبرياءِ أنوثتِها. تململتْ "ندي" في غيابِ وعيِها، ونطقتْ باسمِهِ كأنَّهُ تميمةُ نجاة، ليردَّ عليها بابتسامةٍ غسلتْها الدموع: "ندي".
          وحينَ ارتفعَ صوتُ وقعِ الأقدامِ في الرواق، دبتْ في أوصالِهِ رعدةُ الخوفِ من الانكشاف؛ حاولَ سحبَ يدِهِ ليغادر، بينما كانتْ هيَ ترمقُهُ بعينينِ غائمتينِ تعتقدُهُ طيفاً من أحلامِ المخدر. "ندي.. خليني أمشي أبوك هيدخل لو شافني مش  هعرف أرجع لك تاني"، قالها وهو يصارعُ رغبتَهُ في البقاءِ للأبد بجانبِها، ثمَّ لفَّ مزلاجَ البابِ وركضَ في الممرِّ قاصداً المصعد، تاركاً خلفَهُ رائحةَ عطرِهِ وشهادةً صامتةً على أنَّ الصيادَ قد وقعَ أخيراً في شركِ الغرامِ الذي لا يرحم نادت عليه ندي:
          "عاصي" ..