حين نجتمع على الاستغفار، لا نجتمع على كلماتٍ تُقال، بل على أبوابٍ تُطرق، ورحماتٍ تُرتجى، وذنوبٍ نرجو أن تمحوها رحمة الله قبل أن تمحوها صحائفنا.
ما أجمل أن يكون بين ضجيج هذا العالم قومٌ اختاروا أن تلهج ألسنتهم بـ: "أستغفر الله"، لا رياءً ولا عادةً، بل شوقًا إلى غفرانٍ يبدّل الخطايا حسنات، ويجبر القلوب المنكسرة، ويشرح الصدور المثقلة.
فلنجعل هذه الحملة أثرًا يبقى، ولعلَّ استغفارًا صادقًا في جوف الليل، أو بين زحام النهار، يكون سببًا في فرجٍ طال انتظاره، أو دعوةٍ مؤجلة، أو ذنبٍ أثقل القلب سنين.
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾.
فابدؤوا من الآن... واستغفروا كثيرًا، فلعلَّ بين ألفِ استغفارٍ استغفارًا يرضى الله به عنكم، فيبدّل به حياتكم، ويغفر لكم ما مضى، ويكتب لكم من الخير ما لا يخطر على بال.
آه... لو أن الموت يستأذن.
لو أنه يطرق الأبواب برفق، ويقول: "تهيؤوا، فقد بقي لكم يومٌ واحد." لربما تغيَّرت وجوهٌ كثيرة، ولارتفعت أيادٍ طالما تكاسلت عن الدعاء، ولارتدت رؤوسٌ طالما أخَّرت الحجاب، ولعاد إلى الله من ظن أن العمر ما يزال طويلًا.
لكن الموت لا يفعل.
إنه يأتي بصمتٍ مهيب، يختطف النبضة الأخيرة دون موعد، ويطوي الصفحة قبل أن يكتب صاحبها كلمة: "تبت."
كم من فتاةٍ قالت: "سأتحجب عندما أكبر... عندما يهدأ قلبي... عندما يحين الوقت." وكأنها تملك مفاتيح الغيب، أو وكأن الأعمار تُوزَّع على الأمنيات.
وكم من إنسانٍ خرج من بيته يظن أنه سيعود بعد ساعات، فعاد محمولًا على أكتاف الرجال، لا يحمل من الدنيا إلا عمله.
إن الدين ليس مرتبطًا بعدد السنوات، فربَّ صغيرٍ سبق شيخًا إلى رضوان الله، وربَّ شابٍّ انتهت رحلته قبل أن يبدأ في تحقيق أحلامه. فالأجل لا يعرف صغيرًا ولا كبيرًا، ولا يفرِّق بين من بلغ الثمانين ومن لم يبلغ العشرين.
والحجاب... ليس قطعة قماشٍ تُخفِي الشعر، بل رايةُ حياء، وعهدُ محبةٍ بين العبد وربه، ورسالةٌ صامتة تقول: "يا رب، قدَّمت رضاك على هوى نفسي." وما أجمل القلب حين يختار الستر في زمنٍ صار التعري فيه يُصفَّق له ويُزيَّن للناس حتى ظنه البعض حرية.
لكن أيُّ حريةٍ تلك التي تُبعد القلب عن خالقه؟
وأيُّ جمالٍ يبقى إذا وارى الترابُ الجسد؟
سنرحل جميعًا... وستبقى أعمالنا وحدها تتحدث عنا، فلا المرايا ستشهد لنا، ولا الأزياء، ولا نظرات المعجبين، بل سيبقى ما كان بيننا وبين الله.
فلا تؤجلي طاعةً شعرتِ أن الله دعاكِ إليها، ولا تقولي: "ما زلت صغيرة." فكم من صغيرٍ سبق كبيرًا إلى القبر، وكم من حلمٍ دفن مع صاحبه قبل أن يكتمل.
اللهم ارزقنا سترًا يرضيك، وقلبًا لا يؤجل التوبة، وخاتمةً إذا جاءت، جاءت وأنت راضٍ عنا.