vcosxce
حِينَ تَتَراكَمُ الذِّكْرَيَاتُ القَاتِمَةُ فِي مَخَابِئِ العَقْلِ، لَا تَطْرُقُ الأَبْوَابَ، بَلْ تَقْتَحِمُ الوُجُودَ كَقَدَرٍ أَعْمَى، تُزَلْزِلُ بِنْيَةَ النَّفْسِ مِنْ أُسُسِهَا، وَتُعِيدُ تَرْتِيبَ الأَلَمِ فِي القَلْبِ كَأَنَّهُ لَمْ يَغَادِرْهُ يَوْمًا.
فَتَغْدُو الذِّكْرَى لَا صُورَةً، تَبْدّوّْ كَـ قُوَّةً خَفِيَّةً، تَتَغَذَّى عَلَى الضَّعْفِ، وَتَسْتَيْقِظُ فِي لَحَظَاتِ الهَشَاشَةِ، كَأَنَّهَا تَحْتَرِفُ الاِنْقِضَاضَ عَلَى الرُّوحِ حِينَ تَطْمَئِنُّ.
وَالعَقْلُ، فِي سُخْرِيَتِهِ القَاسِيَةِ، لَا يَكْتَفِي بِحِفْظِ الجُرْحِ، وَ يُخَزِّنُ صَدَاهُ؛ يَحْفَظُ الاِرْتِجَافَ، وَزَفِيرَ الصَّدْرِ، وَثِقْلَ اللَّحْظَةِ الَّتِي اِنْهَارَ فِيهَا التَّمَاسُكُ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ الأَلَمَ كَانَ حَقِيقَةً، لَا وَهْمًا.
وَمَا الذِّكْرَى إِلَّا اِمْتِحَانٌ مُتَكَرِّرٌ لِلْقُوَّةِ؛ فَمَنْ هَرَبَ مِنْهَا بَقِيَ عَالِقًا فِي ظِلِّهَا، وَمَنْ وَاجَهَهَا مُجْبَرًا، تَعَلَّمَ أَنْ يَحْمِلَهَا دُونَ أَنْ يَنْكَسِرَ تَحْتَ ثِقْلِهَا.
فَالأَلَمُ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْكَ، لَا يَرْحَلُ، فَـ يَتَحَوَّلُ إِلَى بِنْيَةٍ دَاخِلِيَّةٍ، يُعِيدُ صِيَاغَةَ مَعْنَى الأَمَانِ، وَيُعَلِّمُكَ أَنَّ النَّجَاةَ لَا تَعْنِي السَّلَامَ، فَقط الاِسْتِمْرَارَ.
وَهَكَذَا، لَا يَخْرُجُ الإِنْسَانُ مِنَ الذِّكْرَى مُنْتَصِرًا، وَلَا مَهْزُومًا، بَلْ مُعَادَ تَشْكِيلِهِ؛ أَقَلَّ بَرَاءَةً، أَشَدَّ وَعْيًا، وَأَقْرَبَ إِلَى حَقِيقَتِهِ العَارِيَةِ.
vcosxce
أَنا لَسْتُ أَدْرِي أَيَّ بَابٍ أَطْرُقُ، كُلُّ الْأَبْوابِ لِوَجْهِ رُوحِكَ تُفْتَحُ، إِنِّي وَجَدْتُكَ فِي مَسَارِحِ خَاطِرِي فَـ إِذا بِخَيَالِي فِي هَوَاكَ يُسَرِّحُ، خُذْنِي فَـ إِنِّي فِي ضُلُوعِي أُمَّةٌ مَا عادَ يَعْصِمُهَا سِوَاكَ وَيَمْنَعُ، مَالِي سِوَاكَ فَـ لَا تُغَادِرْ مُهْجَتِي، إِنِّي بِغَيْرِكَ مِثْلُ أَرْضٍ تُجْدِبُ، أَتَظُنُّ أَنِّي فِي فِرَاقِكَ هَانِئٌ؟ هَيْهَاتَ! دَمْعِي فِي غِيَابِكَ يُفْضَحُ، وَاللَّهِ إِنَّ الْقَلْبَ يَذْبُلُ لَوْ نَأَى كَـ زِرَاعَةٍ بِلا سُقْيَا تَذُوبُ وَتَسْقُطُ، لَا وَالَّذِي صَوَّرَ جَمَالَكَ بِقُدْرَةٍ مَا إِنْ تَمَلَّكَنِي هَوَاكَ فَـ أُطْلِقُ، بَلْ إِنَّنِي عَبْدٌ أَتَيْتُكَ رَاكِعًا مَا لِي سِوَى عَيْنَيْكَ ظِلٌّ يُشْرِقُ، يَا مَنْ لَهُ كُلُّ الْمَسَافَةِ دَرْبُهُ مَهْمَا ابْتَعَدْتَ فَـ نَبْضُ صَدْرِيَ مُوئِلُك، أَأَقُولُ إِنِّي قَدْ سَئِمْتُ غِيَابَكَ؟ كَذَبَ الْفُؤَادُ فَـ مَا أَرَاكَ وَأَبْرَحُ، إِنِّي أُحِبُّكَ لَيْتَ قَلْبِي يُدْرِكُ السِّرَّ الَّذِي فِي مُهْجَتِي يَتَفَتَّحُ، سِرٌّ يُذِيبُ الصَّخْرَ لَوْ أَفْشَيْتُهُ لَكِنَّهُ فِي غِمْدِ صَمْتِيَ يُكْبَحُ، أَنْتَ الْحَيَاةُ فَـ كَيْفَ أُقْصِي ظِلَّكَ الْمُمْتَدَّ فِي شِرْيَانِيَ حَيْثُ أُجَرِّحُ؟ أَنْتَ الْغَدُ الْوَاعِدُ وَأَنْتَ قَصِيدَتِي وَأَنَا بِغَيْرِكَ يَا حَبِيبِي أُتَّهَمُ، كُلُّ اللُّغَاتِ إِذَا أَرَدْتُ حَدِيثَنَا عَجَزَتْ فَـ كُنْتُ بِصَمْتِ عَيْنِي أُفْصِحُ، كَمْ لَيْلَةٍ عَبَرَتْ عَلَيَّ بِغَيْبَتِكَ فَإِذَا النُّجُومُ كَطِفْلَةٍ تَتَلَوَّحُ، مَالِي سِوَى عِشْقٍ يَفِيضُ بِوَجْهِكَ الْمُبْدِي جَمَالًا فِي جَلَالٍ يُشْرِحُ، مَالِي سِوَى قَلْبٍ كَسِيرٍ خَاشِعٍ يَدْعُو وَفِي طُرُقَاتِ شَوْقٍ يُسْفَحُ، إِنِّي لَأَكْتُبُ فِيكَ أَلْفَ قَصِيدَةٍ لَكِنَّ حُبَّكَ فِي دَمِي أَبْلَغُ أَمْدَحُ، إِنِّي لَأَهْوَى أَنْ أَرَاكَ عَلَى الْمَدَى وَأَذُوبُ فِي عَيْنَيْكَ مِثْلَ الْمُسْبَحُ، إِنْ غِبْتَ عَنِّي فَاللَّيَالِي وَحْشَةٌ وَإِذَا حَضَرْتَ فَـ كُلُّ شَيْءٍ يُفْرَحُ، فَدَعِ الْمَقَادِيرَ الَّتِي قَدْ جَمَّعَتْ رُوحَيْنِ فِي دُنْيَا الْغَرَامِ تُصَفَّحُ.
vcosxce
مــازِلْتُ أَسْمَعُ صَوْتَكَ الرَّقْرَاقَ يَسْكُنُ مَسْمَعِي، وَيُفَجِّرُ الشَّوْقَ الكَمِينُ كَـ نَارِ بَرْقٍ فِي دِموعِي،وَاللَّهِ إِنَّ الحُبَّ أَغْرَقَ مُهْجَتِي حَتَّى غَدَوْتُ،مَا بَيْنَ صَبْرٍ مُسْتَبِيحٍ وَهُوًى يَسْطُو خُشوعِي،يَا شَوْقُ رِفْقاً بِالفُؤَادِ فَإِنَّهُ قَدْ أَضْنَتِهِ،أَيَّامُ بُعْدٍ سَاحِقَاتٌ كَـ السُّيُوفِ عَلَى ضُلُوعِي،يَا زَهْرَتِي، مَرَّتْ خَيَالاتُكَ فِي رُوحِي فَـ ثَارَتْ أَنْهَارُ أَحْزَانٍ، وَأَجَّجَ جَمْرُهَا نَارَ الهجُوعِي،كَمْ حَاوَلَتْ نَفْسِي إِخَافَةَ حُبِّنَا، فَـ أَبَى الهَوَى إِلَّا أَنْ يَبْقَى سَيْطَرَانًا مُطْبِقًا فَوْقَ الشموعِي،مَا زِلْتُ أُخْفِي غَصَّةً فِي الجَوْفِ، تَفْضَحُهَا العُيُونُ فَإِذَا كَتَمْتُ، تَفَجَّرَتْ نَارٌ تُمَزِّقُ فِي سُجوعي،بِاللَّهِ مَتَى تَأْوِي خُطَاك نَحْوَ بَابِي؟
مَتَى تَكُفُّ جِرَاحُ قَلْبِي عَنْ تَفَتُّتِهِ الوَلوعِي؟
كَمْ قَدْ سَهِرْتُ عَلَى الدُّجَى، وَالعَيْنُ تُطْفِحُ بِالأَسَى، وَالرُّوحُ تُمتِمُ يَا هَوَاهُ، هَلْ يَرجِعُ يَوْمَ رُجُوعِي؟ لَكِنَّهُ رُوحٌ سَكَنَتْنِي، لَنْ تُفَارِقَ مُهْجَتِي،وَسَتَبْقَى دَوْمًا فِي دِمَائِي نَبْضُهَ أَبَدًا جَرِيعي.
vcosxce
أطلتَ الغيابَ حتى خُيِّلَ إليَّ أنّكَ صرتَ وهماً يسكنني،
تجيءُ طيفاً حين أُسدلُ أهدابي، وتغيبُ إذا انتبهتُ لدمعِي.
أأقصّرتُ بك؟ أم ضاقَ صدرُكَ بي؟
أم أنَّ فكرةً مرّتْ بعقلكَ فأوجعتكَ بي؟
ما ظننتُ الفُراقَ إلاّ وهماً،
غيرَ أنَّ طيفَك امتدَّ في رأسي كنهرٍ جارف،يزأرُ بموجه، ثم يسكنُ حين أتذكّر أنّكَ كنتَ تحبّني يومًا.
وما كان غيابي عنك إلاّ بحثًا عني،
ألملمُ أشلائي المبعثرةَ بين فكرةٍ تُنهكني، وحنينٍ يُنهيني.
أما زلتَ تظنّ أني هجرتُك؟
كلاّ، إنما تاهت خطايَ في دربٍ كنتَ أنتَ أوله وآخره.
وإني لأغرقُ بي كلّما حاولتُ نسيانك.