خلق السموات
خلق السموات
قال الله تعالى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29)} [النازعات: 27 - 29].
وقال الله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6)} [ق: 6].
من آيات الله العظام خلق السموات، فهي من أعظم الآيات في علوها وارتفاعها، وفي سعتها وقرارها، بحيث لا تصعد علواً كالنار، ولا تهبط نازلة كالأجسام الثقيلة، ولا عمد تحتها، ولا علاقة فوقها: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)} [الرعد: 2].
وهو سبحانه الرؤوف الرحيم، الذي أمسك بقدرته السماء أن تقع على الأرض، ولولا إمساكه لها لخرت السماء على الأرض، فهو الذي خلق السماء: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65)} ... [الحج: 65].
وهو سبحانه الحي القيوم، القوي القدير، الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، ليحصل للخلق القرار والنفع والاعتبار، وليعلموا من عظيم سلطانه وكمال قدرته، ما تمتلئ به قلوبهم إجلالاً له وتعظيماً، ومحبةً وذلاً، ولو زالتا ما أمسكهما أحد من الخلق: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41)} [فاطر: 41].
وهو سبحانه الذي خلق سبع سماوات، كل واحدة فوق الأخرى، وخلقها في غاية الحسن والإتقان، لا خلل فيها ولا نقص، فهي حسنة كاملة متناسبة من كل وجه، في لونها وهيئتها وارتفاعها.
فسبحان الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، والذي خلق السموات السبع في غاية القوة والحسن والعظمة: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)} ... [الملك: 3، 4].
وقد زين الله السماء الدنيا بمصابيح، وهي النجوم على اختلافها في النور والضياء كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)} [الملك: 5].
وقد جعل الله هذه النجوم زينةً وجمالاً للسماء، ونوراً وهدايةً يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ورجوماً للشياطين الذين يسترقون السمع ويضلون العباد، ولولا هذه النجوم لكانت السماء سقفاً مظلماً لا حسن فيه ولا جمال.
فسبحان الذي خلق السماء وبناها، وسواها وعدلها، فلا صدع فيها ولا فطر، ولا شق فيها ولا عوج.
وسبحان من زينها بهذا اللون الأزرق، الذي هو أحسن الألوان، وأشدها موافقة للبصر وتقوية له.
وسبحان من أمسكها فلا تميل ولا تميد، ولا تزول ولا تسقط: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)} [البقرة: 117].
ومن أراد أن ينظر إلى عظمة الخالق فلينظر إلى مخلوقاته ومصنوعاته، وعظمة أسمائه وصفاته، وآلائه ونعمه، وسعة خزائنه.
فما أعظم صنع الله في ملكوت السموات، وعلوها وسعتها، واستدارتها، وعظم خلقها، وحسن بنائها، وجمالها: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6)} [ق: 6].
فتأمل خلق السماء، وما فيها من عجائب المخلوقات، وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها، ومقاديرها وأشكالها، وتفاوت مشارقها ومغاربها.
فلا ذرة فيها تنفك عن حكمة .. بل هي أحكم خلقاً .. وأتقن صنعاً .. وأجمع للعجائب من بدن الإنسان كما قال سبحانه: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57)} [غافر: 57].
بل لا نسبة لجميع ما في الأرض إلى عجائب السموات، لسعتها وعظمتها، وعلوها، وما فيها من الملائكة والكواكب، والشمس والقمر كما قال سبحانه {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)} [الذاريات: 47].
فالأرض وما فيها من المخلوقات، بالنسبة إلى السموات وما فيها من المخلوقات، كقطرة في بحر، وذرة في جبل.
وكما خلق الله الأرض وجعل فيها الإنس والجن، فكذلك خلق السموات السبع وملأها بالملائكة الذين: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20)} [الأنبياء:20].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلاَّ وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِداً لِلَّهِ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إلى اللهِ» أخرجه الترمذي
ولعظمة خلق السموات قل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها:
إما إخباراً عن عظمتها وسعتها .. وإما إقسامًا بها .. وإما دعاءً إلى النظر إلى خلقها وعظمتها .. وإما إرشاد للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها .. وإما استدلال منه بربوبيته لها مع وحدانيته .. وإما استدلال بخلقها على ما أخبر به من المعاد .. وإما استدلال بحسنها واستوائها وإمساكها على تمام قدرته وحكمته عزَّ وجلَّ.
وخلق الأرض متقدم على خلق السموات كما قال سبحانه: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)} [فصلت: 9 - 12].
فسبحان الذي خلق هذا السقف الأعظم مع صلابته وشدته وقوته من دخان وهو بخار الماء.
وسبحان الذي بنى السموات السبع الشداد كما قال سبحانه: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12)} [النبأ: 12].
فانظر إلى هذا البناء العظيم الشديد الواسع، الذي رفع الله سمكه أعظم ارتفاع، وزينه بأحسن زينة، وأودعه العجائب والآيات.
ثم ارجع البصر إلى السماء، وانظر فيها، وفي كواكبها ودورانها، وطلوعها وغروبها، وهي باقية إلى أن يطويها فاطرها ومبدعها.
وانظر إلى شمسها وقمرها، واختلاف مشارقها ومغاربها، ودأبها في الحركة على الدوام بأمر خالقها، من غير فتور في حركتها، ولا تغير في سيرها، إلى أن يأتي أجلها، وموعد زوالها.
وانظر إلى كثرة كواكب السماء، واختلاف ألوانها وأحجامها وأنوارها.
ثم انظر إلى الشمس، وقوة إنارتها وحرارتها، وسيرها في فلكها في مدة سنة، ثم هي في كل يوم تطلع وتغرب بأمر ربها، بسير سخره لها خالقها، لا تتعداه ولا تقصر عنه.
ولولا طلوع الشمس وغروبها، لما عرف الليل والنهار، ولا المواقيت، ولأطبق الظلام على العالم أو الضياء.
وانظر إلى القمر وعجائب آياته، كيف يبديه الله كالخيط الدقيق، ثم يتزايد نوره شيئاً فشيئاً كل ليلة، حتى يكون بدراً في منتصف الشهر، ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى، ليظهر من ذلك مواقيت العباد في معاشهم، وعباداتهم ومناسكهم.
وما من كوكب من الكواكب إلا وللرب تبارك وتعالى في خلقه حكم كثيرة:
في حجمه ومقداره .. وفي شكله ولونه .. وفي موضعه من السماء .. وفي قربه من وسطها وبعده .. وفي قربه من الكوكب الذي يليه .. وفي بعده عنه .. كتفاوت أعضاء البدن واختلافها .. وتفاوت منافعها.
وقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ بالنظر في ملكوت السموات والأرض لما فيها من الآيات والعبر التي تزيد الإيمان كما قال سبحانه: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101)} [يونس: 101].

أنت تقرأ
عجائب الملكوت
Spiritualوصف الكتاب في اللغة هو المُلْك والمالك، وهو الله عز وجل. وحسب ابن منظور في كتابه لسان العرب، هو مُلك الله وملكوته: أي سلطانه وعظمته، وكلمة ملكوت صيغة مبالغة من المُلك. هو عالم غير مرئي حسب علم الكون الإسلامي، يحتوي على عديد من الكائنات والأماكن المي...