Ivar_6

لم يكن المكان هو ما يحيط به،
          	بل ما لم يستطع مغادرته.
          	كان يمشي لأن الوقوف
          	اعتراف،
          	ولأن الرجوع
          	تسمية للألم.
          	الفكرة لا تولد كاملة،
          	هي تسقط في الإنسان
          	ثم يتكفّل العمر بتشويهها.
          	ولهذا كان يشعر بثقلٍ لا يُرى؛
          	أفكارٌ لم تجد لغة،
          	ومعانٍ أكبر من أن تُقال دون أن تنكسر.
          	الزمن ليس خطًّا مستقيمًا،
          	هو دائرة تضيق كلما فهمنا أكثر.
          	وكل فهمٍ جديد
          	خسارةٌ ناعمة
          	لنسخةٍ سابقة من أنفسنا.
          	لم يكن وحيدًا،
          	كان محاطًا بذاته،
          	وتلك أكثر العزلات
          	ازدحامًا.
          	حتى الضوء…
          	ليس دليلًا على الوضوح،
          	بل على وجود ظلالٍ
          	تحتاجه كي تُرى.
          	وما سمّاه الناس “حياة”
          	لم يكن سوى
          	تفاوضٍ طويل
          	بين الرغبة في الفهم
          	والخوف من نتيجته.

Ivar_6

لم يكن المكان هو ما يحيط به،
          بل ما لم يستطع مغادرته.
          كان يمشي لأن الوقوف
          اعتراف،
          ولأن الرجوع
          تسمية للألم.
          الفكرة لا تولد كاملة،
          هي تسقط في الإنسان
          ثم يتكفّل العمر بتشويهها.
          ولهذا كان يشعر بثقلٍ لا يُرى؛
          أفكارٌ لم تجد لغة،
          ومعانٍ أكبر من أن تُقال دون أن تنكسر.
          الزمن ليس خطًّا مستقيمًا،
          هو دائرة تضيق كلما فهمنا أكثر.
          وكل فهمٍ جديد
          خسارةٌ ناعمة
          لنسخةٍ سابقة من أنفسنا.
          لم يكن وحيدًا،
          كان محاطًا بذاته،
          وتلك أكثر العزلات
          ازدحامًا.
          حتى الضوء…
          ليس دليلًا على الوضوح،
          بل على وجود ظلالٍ
          تحتاجه كي تُرى.
          وما سمّاه الناس “حياة”
          لم يكن سوى
          تفاوضٍ طويل
          بين الرغبة في الفهم
          والخوف من نتيجته.

Ivar_6

ليس حزنًا،
          بل شيء أبطأ منه.
          كأنه تأخّر عن نفسه،
          وتركها واقفةً هناك.
          المدينة لا تراه،
          وهو لا يحاول أن يُرى.
          يمشي فقط
          لئلا يسقط إلى الداخل.
          في صدره ثقلٌ بلا اسم،
          لا يريد الخلاص،
          يريد الفهم.
          وكل هذا الضوء حوله
          ليس إلا محاولةً فاشلة
          لإخفاء
          كم هو معتمٌ من الداخل

Ivar_6

يقف هناك، لا ينتظر أحدًا…
          المدينة تمرّ من خلاله، وهو لا يمرّ منها.
          ضوءٌ خلفه، وثقلٌ في صدره،
          كأن قلبه يحمل سؤالًا لم يجد صيغةً ليُسأل.
          
          ليس وحيدًا تمامًا،
          لكن الوحدة تعرف اسمه جيدًا.

Ivar_6

لم يكن ينتظر أحدًا،
          لكنه كان يسمح للوقت أن يجلس بقربه قليلًا.
          يحمل حقيبته كما لو كانت بيتًا مؤقتًا،
          وفي كتفيه استقرارٌ غريب،
          استقرار من تعلّم أن يكون كافيًا لنفسه.
          الضوء حوله لا يلمع، بل يهمس،
          يلتف عليه كوشاحٍ من طمأنينة قديمة،
          كأن المدينة—برغم ضجيجها—
          قررت أن تخفّض صوتها احترامًا لهذه اللحظة.
          في صدره دفء لا علاقة له بالطقس،
          دفء يشبه تذكّر شيء جميل
          دون الحاجة لتسميته.
          هو لا ينظر خلفه،
          ليس هربًا،
          بل لأن بعض الأشياء حين تُحَب
          لا تحتاج أن تُرى.
          يمضي ببطء،
          لا استعجال،
          ولا خوف من الوصول.
          كأن الطريق يعرفه،
          وكأن الخطوات—مهما تفرّقت—
          ستقوده في النهاية
          إلى مكان يشعر فيه
          أنه كان هنا من قبل.

Ivar_6

"انفلت مني صوتٌ لم أسمعه، لكنّ الصمت بعده كان أثقل.
          تشظّى ظلّي في الفراغ، ولم أعد أعرف من الذي تكلّم: أنا، أم غيابي.
          كان البوح كفتح جفنٍ لرؤيا لم تُرد أن تراها...
          ثم أغلقتُ فمي، لا خوفًا، بل لأن شيئًا بداخلي انكسر حين نطق."
          

Ivar_6

          استفاق في ذلك اليوم الغريب، في غرفة لا تشبه غرفته، شاسعة ومملوءة بنباتات خضراء تلوح في كل زاوية، كأنها تحاول ملء الفراغ بداخله. الألوان الداكنة — الأسود والرمادي — امتزجت مع الأبيض ووشحات من الأخضر، في تناغم غريب لكنه بلا شك مريح، يبعث على الاستغراب.
          
          جلس على حافة السرير، بعيدًا عن حافة سريره المعتادة، ينظر إلى الأرضية بلا حياة، ذهنه مشتت، ينسى كل شيء. يكره هذا الانفصال، كيف يغيب عقله عن جسده، ينسى مهامه اليومية، ينسى حتى وجود القلم في يده والطعام في معلقته. في كل مرة يستفيق من هذا التوهان، يشعر بغصة في داخله، بالغضب من نفسه لأنه فقد السيطرة.
          
          بعثر شعره الأسود المموج، نهض ببطء وبثقل، خطواته كأنها تكافح الخمول الذي يثقل كل جزء فيه. دخل دورة المياه، وهناك رأى وجهه في المرآة. لم يكن ذلك الوجه مجرد انعكاس عابر، بل مرآة لحالته المتكسرة، لم يكن يعرف ذلك الشخص. كيف وصلت إلى هنا؟ متى تلاشت صورته القديمة؟ هل هذا حقًا أنا؟ تساءل في صمت، لكن الأسئلة كانت أصداء بلا إجابة، ألحّت عليه بثقلها.
          
          ابتعد عن المرآة، عقله يعج بالتساؤلات. بدا خاله واقفًا عند الباب، ينظر إليه بنظرة هادئة لا تحمل استنكارًا، فقط معرفة عميقة:
          _ "لماذا تصدم من نفسك؟ هذا ما يحدث عندما تحرم جسدك من الغذاء."
          
          صمت. نظر إلى النافذة التي تدخل نورًا خافتًا، كأنها تهمس له بحياة جديدة. فتح النافذة ببطء، وقال بصوت منخفض لكنه حازم:
          _ "هيا، لا وقت لدينا لنضيعه، أمامنا مكانان يجب أن نصل إليهما."

Ivar_6

في عمق الأزرق الباهت الذي يغلف الشارع، كان يسير بخطى بطيئة كأن الأرض تثقله... أو كأنه لا ينتمي لها أصلًا. الليل لم يكن ليلًا حقًا، بل مزق غائم من ظلال، يلطّخ السماء بشيء يشبه الأسى.
          
          الأشجار على جانبي الطريق لم تعد تبدو ككائنات حية، بل هياكل شاهدة على أعمارٍ تآكلت. والمنازل، بنوافذها المعتمة، كانت تراقبه بصمت يشبه الشفقة... أو الازدراء.
          
          وقف قليلًا، نظر للأمام، حيث تمتد الأضواء الخافتة، لا تعده بشيء، ولا تشير لطريق، بل تومض كأنها تذكّره بأن لا أحد ينتظره. كان وجهه ساكنًا، بلا تعبير، كأنه نسي كيف يُظهر الحزن، أو أن الحزن فيه لم يعد بحاجة لملامح كي يُرى.
          
          في عينيه انعكست لمعة خافتة... ليست دمعة، بل شيء أبرد، وأعمق. ربما يقين بأن لا خلاص، أو تعب من البحث عن معنى لشارع لا ينتهي، لسماء لا تفتح، ولمستقبل لا يجيء.
          
          كان عمره عشرين... لكنه يشعر وكأنه عاش دهورًا في هذا الطريق، بين ظلالٍ أطول منه، وسكونٍ أضخم من قلبه.
          

Ivar_6

أخبراني...
          هل ستظلان تمضيان إلى حيث لا أستطيع اللحاق بكما..!
          تمسحان آثاركما كأنكما لم تكونا يومًا هنا؟
          لم تتركا شيئًا سوى الصمت، سوى أنا...!
          محاصَرة بين ما كنتما عليه، وما تركتماني عليه...
          
          كل مرة أحاول فيها أن أطويكما من ذاكرتي...
          أن أقنع نفسي أن البُعد نهاية...
          ينهض عقلي كمن يرفض العزاء...
          ويُعيدني إلى تفاصيلكما..
          إلى أصواتكما...
          إلى ظل وجودكما الذي لا يغادر...
          
          وكأن النسيان خيانة..
          
          وكأن الوفاء أن أبقى أتذكركما، رغم الغياب.
          

Ivar_6

          
          كل شيء يركض،
          الناس، الأصوات، الضوء...
          وأنا،
          مجمَّد في لحظة لا اسم لها.
          الزمن يعبرني،
          كأنني شبح لا يعترف به الوقت.
          
          أنظر من شقٍّ في الجدار،
          كأنني مدفون حيّ،
          تحت سماء مبتورة،
          لا تسع حلمًا...
          ولا تنزل مطرًا.
          
          القبور هناك،
          تصطف كجنود صامتين،
          تحرس ما تبقّى مني.
          
          لا سلاسل،
          لكن الجسد ثقيل،
          مبلّل بأفكار تسلّلت بصمت،
          كبرت داخلي كجذور سامة.
          
          أحاول الصراخ،
          لكن الصوت خائن،
          ينكسر في صدري
          ويعود لي كشهيقٍ مشوّه.
          
          الغرفة لا تضيق،
          ولا تتسع...
          الوقت لا يمشي،
          ولا يزحف...
          إنه ينزف.
          
          وأنا؟
          جسدٌ ينتظر أن يُنسى،
          في جنازةٍ
          لا تنتهي.
          
          

Ivar_6

          
          
          كنت هناك، دائمًا هناك،..
          
          حيث لا يراك أحد إلا حين تغيب الظلال...
          
          لا أحد يناديك باسمك، بل بنداء الحاجة...
          
          كأنك صفحة مطوية في كتاب نسيه الجميع على رفٍ بارد، لا تُفتح إلا حين يعجزون عن العثور على قصتهم الحقيقية...
          
          تجلس بينهم، وتضحك، وتتكلم...
           لكنك تعرف...
          تعرف أنك مجرد وقتٍ مستعار، عابرٌ بين فجوات غيابهم، تمضي معهم دون أن تكون حقًا معهم.
          ثم يعودون إلى عالمهم، وتعود أنت إلى اللاشيء، صامتًا، بلا أثر...