50

22 2 0
                                        

انتفضت مارتينا من نومها فَزِعة، يعلو صدرها هبوطًا وصعودًا بأنفاسٍ متلاحقة.
كانت فقاعة شفّافة من الهواء تحيط بوجهها، وتُبقيها على قيد التنفّس في أعماق البحر.
لمحت من حولها جدرانًا رطبة مضاءة بوميضٍ خافت… قصر الأعماق.
نهضت فجأة، وقلبها يطرق صدرها بعنف.
همست باسمه، وكأن الهمس سيقوده إليها:
«نيموريس…»
اندفعت نحو الباب وفتحته بعجلة، لتصطدم بنظرات حارسين من الزواحف، يقفان سادّين الطريق.
قال أحدهما ببرود:
— الملك أمرنا ألّا تغادري هذا المكان.
اشتعل الغضب في عينيها:
— دعوني أذهب إلى ماريوس!
قهقه الآخر بسخريةٍ لاذعة:
— ماريوس؟ اسمه نيموريس. يُمنع عليكِ أن تناديه بذلك الاسم.
رمقته بنظرة احتقار:
— هذا لا يعنيك. ابتعد عن طريقي.
لم يتحرّكا.
تراجعت خطوة، ثم خطوتين، كأنها استسلمت.
اشتدّ انتباه الحارسين، فعادت إلى الغرفة وأُغلق الباب خلفها بإحكام.
جلست لحظة تُفكّر، عيناها تجوبان المكان بعجلة… حتى وقعتا على نافذة عالية.
ابتسمت ابتسامة خاطفة، وفتحتها.
لكن الابتسامة انطفأت فورًا؛ خارج النافذة كانت كائنات مائية غريبة تدور حول الممرّ، تحرس المكان بصمتٍ مريب.
تنفّست بغيظ، وهمست لنفسها:
«رائع… حتى السماء تحت الماء محروسة.»
همّت بالقفز متهوّرة، وما إن مدّت قدمها حتى ضربتها صاعقة كهربائية خاطفة، ارتدّت معها إلى الداخل متألّمة.
كانت تلك السمكة الحارسة الكهربائية تراقب النافذة.
شدّت قبضتها ولعنت تحت أنفاسها.
لمحت خزانة في الزاوية، فتحتها بعجلة…
وجدت ورقةً قديمة كُتبت عليها تعويذة للتخفّي.
اتّسعت ابتسامتها، ثم تلاشت حين أدركت أنّ الكلمات غريبة النطق عسيرة اللفظ.
تذكّرت فجأة نصيحة أمّها القديمة، حين كانت تريد إفقاد أحدهم وعيه…
ألقت الورقة جانبًا، وفتحت الباب بعزم.
كان الحارسان في موضعهما.
اندفعت وضربت أحدهما عند عنقه بسرعةٍ خاطفة.
لكنّه لم يُغْمَ عليه؛ سقط يسعل بعنف.
التفت الحارس الآخر بغضبٍ وشرٍّ مكبوت.
ابتسمت بتوتّر، وقالت محاولة التهرّب:
— مهلاً… لم أكن أنا!
ثم أشارت إلى رفيقه الساقط:
— اذهب وأحضر له ماءً!
حدّق بها باستهجان:
— أيتها الحمقاء، نحن برمائيون… نحن داخل الماء.
ضحكت بتوتّر:
— صحيح… نسيت. إذن اذهب وأحضر المساعدة.
تردّد لحظة، ثم قال:
— ابقي هنا. لا تذهبي إلى أي مكان.
وما إن ابتعد، حتى اندفعت مارتينا تركض عبر ممرّات القصر، لاهثة، وقلبها يسبق خطواتها.
وصلت إلى بابٍ ضخم، دفعته بكل ما فيها من خوفٍ وأمل.
في الداخل، رأت المشهد الذي جمّد دمها:
حارسان يقفان قرب الغمجور،
ونيموريس واقف أمام جدّه نيروس.
صرخت من أعماقها:
— ماريووووس!
استدار نيموريس نحوها…
لكن نيروس رفع يده إشارةً قصيرة.
وفي حركة واحدة، التفّ أحد أذرع الغمجور حول جسدها، ورفعها عن الأرض.
قاومت بعنف، تبحث بعينيها عن نيموريس…
كان واقفًا، صامتًا. لم يتحرّك.
حدّقت به بصدمةٍ ممزوجة بالخذلان:
— ماريوس…؟
قال نيروس ببرودٍ قاطع:
— لا تنطقي ذلك الاسم.
ثم أضاف بنبرةٍ باردة:
— اتفقتُ معه أن أُطلق سراحكِ أنتِ وكايسن… أمّا هو، فسيبقى هنا ليرى مصيره.
اتّسعت عيناها ذهولًا. تجاهلت نيروس وتشبّثت بنظراتها بنيموريس:
— هل ستتخلّى عنّا هكذا؟ بعد كل ما كنّا عليه؟
— ما بك؟ هل فقدتَ عقلك؟!
لم يُجبها.
قال بصوتٍ خافتٍ متكسّر:
— تحدّثتُ مع كايسن… سيأتي ليصطحبكِ.
ابتلعت ريقها:
— هل هو بخير؟
— نعم… لديه بعض الكدمات فقط.
دخل كايسن بين الحارسين، عيناه ممتلئتان حقدًا وهو ينظر إلى نيموريس.
شعرت مارتينا بانقباضٍ في صدرها من تلك النظرات.
أشار نيروس مرة أخرى، فترك الغمجور قبضته عنها.
اقتربت من كايسن بسرعة:
— هل أنت بخير؟ هل تأذّيت؟
قال بجمود:
— أنا بخير. لنذهب.
تعلّقت عيناها بنيموريس:
— نذهب؟ وماذا عنه؟ سيقتله، أنا متأكّدة! رأيتُ ذلك بعينيّ!
قال كايسن بحدّة:
— لن يقتله. لنذهب. لا أطيق رؤيته.
تقدّم نيموريس خطوة، وقال دون أن ينظر إليها:
— اذهبي معه… بلا كلمةٍ واحدة.
هزّت رأسها بعنادٍ موجوع:
— لا. لن أذهب. سأبقى هنا.
تجنّب النظر إليها.
أمسك كايسن يدها بقوّة:
— هيا بنا يا مارتينا.
صرخت فيه والدموع تتجمّع في عينيها:
— لماذا؟ ما الذي حدث؟ لماذا تتصرّفون هكذا؟ أخبرني!
رفع نيروس يده إشارةً أخيرة.
اندفع الغمجور، أمسك مارتينا وكايسن معًا، وحملهما بقوّة عبر الممرّات، ثم قذفهُما خارج الأعماق إلى اليابسة.
نهضت مارتينا تحاول العودة، لكن كايسن أمسكها ومنعها.
صرخت:
— لماذا؟!
قال ببرودٍ يجرح:
— انسَي… كأنّ ماريوس لم يكن يومًا في حياتنا.
تكسّرت كلماتها بالبكاء:
— أرجوك… أخبرني ماذا حدث!
قال بحزم:
— يكفي.
وقف، وبدأ يتمتم بتعويذةٍ لإعادتهم إلى عالمهم…
وقبل أن تكتمل الكلمات، خرج شخصان من بين الظلال.
اندفعت الفتاة نحو مارتينا وعانقتها بقوّة،
بينما قال الفتى بصوتٍ خشنٍ عميق:
— كما توقّعت…

يتبع(بس خلي تجيني افكار لان ماكاعد تجيني)

لقد وصلت إلى نهاية الفصول المنشورة.

⏰ آخر تحديث: 2 days ago ⏰

أضِف هذه القصة لمكتبتك كي يصلك إشعار عن فصولها الجديدة!

✿تجسدت بجسد الشريرة✿حيث تعيش القصص. اكتشف الآن