استيقظ من نومه واثبًا من على سريره المتهالك الذي لا يغطيه إلا فراش من الصوف يتحول في الشتاء إلى لحاف يقيه بعض البرد، لم يرى إلا الضباب الذي يغطي عينيه فسار متحسسًا حتى وصل إلى قطعة الأثاث الوحيدة -عدا سريره بالطبع- والتقط عويناته من عليها ووضعها على وجهه لتتضح رؤيته، وقف أمام المرآة الصغيرة المعلقة بمسمار أعلى الصنبور ممسكًا بفرشاة أسنانه، نظر إلى المرآة التي تعكس غرفته من حوله خلف وجهه الوسيم وشعره الطويل ثم اتجه نظره لأسفل ناظرًا لجسده النحيل إنها لمعجزة أن يظل على قيد الحياة بذلك الجسد.لم يكن "خالد" ثريًا بالطبع، كان كل مايملكه من الدنيا هو غرفته الوحيدة فوق سطح إحدى العمارات بها حمامه الذي لا يفصله عن مكان نومه سوى ستارة من الساتان، دائما ما يداعب الماضي ذاكرته بينما تداعب قطرات الماء بشرته السمراء وشعره الغزير الطويل الذي لم يحلقه منذ أشهر ليس لأنه يحب مظهره على كل حال ولكن لأنه لا يستطيع تحمل كلفة الذهاب إلى صالون الحلاقة، فقد يكلفه ذلك ثلاث ليال بلا طعام، لحسن حظه أنه يعمل إلى جانب دراسته، فوالداه باعا آخر قيراط أرض كانا يملكانها حتى يحصلا له على تلك الغرفة، فكم مرة ستأتي فرصة لأحد أفراد بلدته بأكملها في الذهاب إلى جامعة كالتي يرتادها الآن بفضل ذكاؤه وتفوقه منقطعي النظير، هو يحب التعليم ويرى مستقبله مزدهرًا ولكنه أحيانا يضيق زرعًا بحياته الرتيبة القاسية، فعليه أن يدرس ويعمل، كم ليلة مرت عليه دون أن يذوق الطعام أو النوم، فلقد كانت المنحة التي قدمت له للدراسة هنا تتكفل بثمن الفصول وبعض الكتب والكورسات، ولكن ماذا عن الطعام والمواصلات والكتب الإضافية والعديد العديد من المصاريف؟
كاد أن ينسحب أكثر من مرة ويعود إلى إحدى الجامعات الحكومية الرخيصة في قريته ولكن في الوقت المناسب يتذكر فرحة والده عند سماعه اسم الجامعة التي كان يسمع اسمها في الأخبار وزغاريد والدته التي لا تفقه شيئًا مما قيل أمامها سوى أن ابنها عبقري.
ولكن أكثر ما يزعجه في حياته حاليا هو شعوره المستمر بالدونيه كلما خطى بوابة الجامعة على قدميه بينما الجميع يقودون سياراتهم الفخمة، يزعجه ذلك كيف يكون أذكى وأكثر الأشخاص اجتهادًا في الجامعة بينما هو الوحيد السائر على قدميه فيها؟ هو الوحيد الذي يستخدم حواسيب الجامعة لأنه لا يستطيع تحمل كلفة شراء حاسوب خاص به، لا يستطيع الجلوس في كافيتيريا الجامعة لأن جميع أسعارها تصيبه بالغثيان، وأخيرًا ليس لديه أصدقاء، فبرغم أن جميع الأساتذة يعرفون نبوغه ويتمنون أن يقصدهم في شيء إلا أنه شبه غير مرأي لزملائه اللهم إلا من يحتاجون لمساعدة دراسية بمقابل مادي طبعًا وتنتهي معرفتهم له بمجرد نجاحهم في الإمتحانات.
لم يكن خالد من ذلك النوع من الشباب الذي يقعون في الحب فليس لديه وقت للنفس، كل حياته دراسة وعمل والنذر اليسير من النوم عدى ذلك فهو لا يفعل شيء تقريبًا اللهم ذلك الشغف الغير مبرر لديه في لعب التنس أو كما يسميها "لعبة ولاد الذوات".
رآه ذات مرة الدكتور علاء أستاذ الأدب الإنجليزي وهو يراقب من بعيد، لا يجرأ حتى على الأقتراب فحجز ساعة في نادي الجامعة للعب التنس يعادل مصروفات خالد لمدة شهر شاملة الطعام والشراب، فنادى عليه فجائه خالد مسرعًا وعندما أوقفه فرد الأمن كانت إشارة وحيدة من دكتور علاء بمثابة تذكرة دخول، تقدم خالد نحو أستاذ علاء الواقف بشورته الأبيض وفانلته البيضاء بينما العرق يغطي جبينه والشمس تتعامد عليه وكأنه تمثال من البرونز هطل عليه المطر، فاستهله الدكتور علاء سائلًا:
-لماذا تقف بعيد؟ هل تلعب التنس؟
-أنا مهووس بالتنس، ولكن لن يتسن لي لعبها من قبل.
-لا تقلق يا صديقي من اليوم أنت خصمي في التنس أنا أتدرب عليها حديثًا فقط
وهكذا بدأت صداقة خالد مع أساتذته فقد عرفه الجميع بالعبقري وأرادوا أن يولوه اهتمامًا عندما علموا بحاله المادي الصعب وكيف أنه تفوق على آلاف الطلبة بحثًا عن هذه المنحة؟

أنت تقرأ
الفتاة ذات نقش التريكو
Romanceعندما يتخطى القبح ملامحنا، يفقد الجمال قيمته. ربما يكون وجهي جميلًا ولكن خلف هذا الصدر أطنان من الشروخ وأميال من التشوهات، ولكن ماذا يوجد خلف وجهك وما السر خلف نقش التريكو؟!