الفصل الخامس

179 11 10
                                    


الفصل الخامس :

دفعت جوديا باب الغرفة بعنف ولم تهتم حتى بغلقه .. عيناها ساهمتين بعدم استيعاب قابضة يدها على صدرها في وضعيةٍ دفاعية .. هرولت بين أروقة القصر بلا هوادة .. .. لم تهتم حينها أن تصطدم بتشانيول أو غيره .. فقط تمشي وتشعر بأن عينا تلك الفتاة تلاحقانها في رغبة بقتلها .. ميلانا .. هل هو اسمها حقاً ؟! أم مزيف كما شخصها تماماً ! لقد أحبتها جداً بحمق كأختٍ لها ، وتلك كانت تخدعها طوال الوقت فقط ! حقاً .. حقاً ليس عدلاً أن يتلاعبوا بمشاعرها بهذه الطريقة .. لكنها تظل البيدق الأحمق في اللعبة .. عضت على شفتيها تمنع نفسها من البكاء .. وتتساءل إن كان هُناك شيء آخر يصدمها بعد .. رأت تشانيول يظهر فجأة من إحدى الزوايا يخطو ببطءٍ ويديه في جيبيه .. لم تتوقف هي عن مشيها بل أسرعت أكثر .. بينما هو لم يندهش كثيراً من رؤيتها .. فهو يعلم أن هذا الكائن لم يكف عن التجول في قصره .. تجاهلته جوديا وكادت أن تمر من جانبه لولا يده التي أمسكت بذراعها .. تحدث بهدوء " مرةً أخرى .. تتجولين وكأنه قصرك ! " كما تتجول هي مرة أخرى .. فمرة أخرى أيضاً صوته العميق أسرى الرعشة في أوصالها .. أزالت يده بعنف من على ذراعها وهمّت بمتابعة طريقها .. أمسكها بسرعة وأرجعها أمامه بذات العنف فأصبحا متقابلين هذه المرة .. تحدث وعيناه تلمعان بغضب " حينما أتحدث تقفين مستمعة بخنوع .. أتفهمين ؟" رفعت عينيها إليه بحقد وجملة ديو تقفز في رأسها فجأة " وبقيّ على قيد الحياة تشانيول وأخته اللذان تم تهريبهما فور اندلاع الحرب " إنها أخته .. تعجب تشانيول لنظرات الغضب بعينيها الدامعة .. حركت جسدها بقوة علّها تستطيع الخلاص من يديه الممسكتين بذراعها .. لكنه يفوق قوتها بأضعاف .. ضربت صدره بيديها الصغيرتين وقد بدأت بهمهات غاضبة .. اللعنة على صوتها الذي تحتاجه الآن بقوة .. بينما ذُهل هو لحالتها العجيبة المفاجئة بل جُرأتها على ضربه ! لكنها لم تكتف وتابعت ضربه حتى يتركها .. صدره العضليّ كان يصد يديها بقوة آلمتها .. أمسك تشانيول يديها الاثنين في قبضته .. ويده الأخرى ممسكة بذراعها .. هزها قائلاً " أنتِ ، ماذا أصابك ؟! " حركت يديها المسجونتين في قبضته ولكن لا فائدة .. شعرت بالعجز الشديد يقيدها .. فبدأت بصراخٍ كطيرٍ جريح .. بينما تسلل القلق لتشانيول " ياه .. أنتِ ! " خفف من مسكه لذراعها وفكّ قبضته عن يدها .. لكنها لا زالت تبكي بصوتِ عال .. لا تدري جوديا أتبكي ضعفها وعجزها .. أم اختطافها وخداعها .. أم قلقها على مملكتها وشعبها .. حارت أيهما تبكي ! تركها تماماً وهو يشعر بشيء ينخز قلبه .. بكاءها مؤلم .. هشاشتها في هذه اللحظة قاتلة .. أدرك أن الأمر يفوق مجرد غضبها من مسكه لها .. تطلع إليها تخفي وجهها خلف يديها .. بينما نظر للسماء برجاء وحيرة لهذا الموقف .. لا يستطيع المُضيّ إليها .. ولا يستطيع الذهاب .. هذا الكائن ببساطة ... يؤلمه ..

خطى بخطواتٍ ثقيلة بعدما هربت هي من أمامه .. للحظاتٍ ظل واقفاً يحدق بطيفها الباكي .. شعرها الطويل الذي عانق صفحة وجهه في ركضها .. يملك نفس الشذى الذي اشتمه في غرفة عمل الفتية .. تنهد وتلك الفتاة تشعره بالسوء ... تُشِعره بأنه الجانب الشرير .. الانتقام لا يمكن أن يغض البصر عنه بسهولة .. فخلفه شعبٌ ينتظر الحرية منذ أمد .. وينتظر أن ترى مملكته النور بعدما كانت منبعه .. لا يمكنه الرجوع عن هدفٍ يعدون له منذ سنين عديدة .. لفت انتباهه غرفة أخته المفتوحة على مصرعيها .. اقترب متعجباً فالغرفة لم تُفتح منذ غادرتها ميلانا .. أيعقل أن تكون الأميرة ولجت إلى هنا ؟ لمعت في ذهنه هذه الفكرة وهو يحدق باللوحة التي تجمعه مع ميلانا .. أنظرة الحقد المنكسرة في عينيها تلك بسبب اكتشافها للأمر ؟ جلس على إحدى الأرائك يسند رأسه بهم يشتم الرائحة المسكية المنتشرة في الأجواء التي طالما أوصت ميلانا بتعطير غرفتها بها .. إنه يشتاق لأخته الصغيرة .. ويخاف عليها من وجودها وحدها هُناك .. تلك العنيدة ذات الرأس الذي لا يلين .. لكنها تبقى بذلك القدر من القوة والذكاء الذي يُفتخر به وإلا كان سحبها من هناك رغماً عنها .. فتح عينيه يحدق بالسقف ومرأى الصغيرة الباكية يطل مرة أخرى وكأنه تعهد بألا يتركه .

ذاتَ حربِ .. أحببتُك !حيث تعيش القصص. اكتشف الآن