ما زال صوت ارتطام الساعة الرملية بالأرض يتردد في مسامعي، هل سبق أن تغيرت حياة أحد بعد أن كُسرت ساعة رملية دون قصد ؟! لا يتعلق الأمر بسفر عبر الزمن أو بأي من القصص الخيالية التي قرأناها في طفولتنا، فما حدث كان واقعيا جدا، واقعيا أكثر من أن يُصدَّق، ك...
صادق، الإبن البكر لأسرة بسيطة، شقيق لذكرين و أنثى، عاش صادق طفولته مع جده في البادية مؤنسا له في وحدته، مما ترك جرحا عميقا في داخله بعد وفاة جده، و عجز في السنوات الأولى لوفاة جده أن يتقبل غيابه، كما واجه صعوبة في التأقلم عند عودته لعائلته للمدينة، لم يكن صادق مجتهدا في الدراسة، إلا أن ميوله للطبخ جعل منه يختار مسارا تعليميا لم يتوقعه والديه، إذ قرر اتباع ما يثير اهتمامه. لم يكن صادق اجتماعيا، و لا مهتما بالتعرف على الآخرين سواء من أفراد عائلته و لا من زملائه بالمعهد، و كلما تقدم في السن إلا و ازداد انطوائية، و بالرغم من ذلك فقد كان شخصا مثيرا للاهتمام، إذ واجه جميع المحيطين به صعوبة في تحليل شخصيته أو فهمه، كان يتحلى ببرود غريب تجاه الكثير من الأشياء التي قد تثير اهتمام أقرانه، و لم يكن سهلا حتى على أسرته أن تعرف ما يحبه أو يكرهه و لا حتى ما يفكر به، إلا أنهم ساندوه في جميع قراراته. بعد تخرج صادق من المدرسة الثانوية، قرر فجأة تغيير مساره و اهتمامه من الطبخ إلى علم النفس، كان ذلك مثيرا لدهشة عائلته، إذ لم يتوقعوا يوما اهتمامه بتلك الشعبة. كان صادق قد قرأ في أحد الكتب بأن أغلب من يدرسون علم النفس يختارون ذلك التوجه لعلاج نفسهم قبل علاج الآخرين، و كان قد شخّص نفسه بمرض الاكتئاب، فبدت له فكرة علاج نفسه مثيرة للانتباه، بالرغم من كونه لو طلب مساعدة من أخصائي لفهّمه بأن ما يعانيه لم يكن اكتئابًا بقدر ما كان حزنا على وفاة جده، و هو أمر طبيعي جدا. تعرّف صادق على منار على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، و لم يكن هدفهما التواصل أو تكوين صداقة بقدر ما كان استفسارا عن ما يحمله كل منهما من معلومات حول متابعة الدراسة خارج بلدهما، إذ تصادف أنهما يدرسان معا في معهد للغات الأجنبية، و بالمحادثات الطويلة التي حظيا بها تبين أن شخصيتيهما مختلفتين تماما، إلا أن نقاشاتهما التي اشتملت مختلف المواضيع جعلت منهما معتادين على التراسل كل يوم، كانت علاقة صداقة غريبة بين شخصين مختلفين ، إلا أن ذلك لم يمنعهما من النقاش في مجالات متنوعة من السياسة، الأدب إلى الطبخ و الطب. و في أحد الأيام واجه صادق الصدمة الثانية في حياته بعد أن تداولت وسائل التواصل الاجتماعي خبر العثور على جثة منار مقتولة موضحين بأنه لم يتم العثور على الجاني رغم الجهود التي بذلتها الشرطة في ذلك، إلا أنهم وعدوا العائلة ببذل المزيد من المجهود في سبيل إلقاء القبض على من تسبب بفقدانهم فلذة كبدهم. تم استدعاء صادق للتحقيق معه عن مقتل منار، إذ اكتشفت الشرطة بعد فحص هاتف الضحية بأنها كانت قد التقت بصادق في اليوم الذي يسبق مقتلها، و بالرغم من أنه لا يوجد أي دليل يدين صادق، إلا أن الشرطة تشبثت به لعله يقودها لحل لغز القضية. كانت منار الإبنة الوحيدة لوالديها، تلميذة متفوقة، و تطمح بأن تصبح جراحة أعصاب، اجتماعية و محبوبة من جميع المحيطين بها، إذ تمتعت بحس فكاهة جعلت من شخصيتها جذابة لمن حولها. إلا أن والديها شكّا بأنها كانت تخفي أمرا ما، حين أدركا بأنها كانت تستعد خفية عنهما للانتقال للدراسة خارج البلد، كان من المؤلم أن يعرف والدي الضحية من الشرطة معلومة كتلك، إذ لطالما ظنا بأنهما يعرفان ابنتهما جيدا، و أن لا أسرار بينهم. و ذكرت والدة منار في إفادتها للشرطة بأنها كانت قد لاحظت بعض التغيرات في شخصية ابنتها، إلا أنها لا تتذكر متى بدأت تلك التغييرات بالضبط، فافترض المحقق المسؤول عن قضيتها بأن الضحية كانت تتعرض للتهديد، إلا أنهم لا يملكون أي دليل على ذلك. مرت الأيام كسنوات على أسرتي صادق و منار، فقد كانت أسرة الأول تعيش في توتر مستمر بسبب استدعائه للتحقيق أكثر من مرة، و حزنه الشديد على وفاة صديقته التي لم يعرفوا بوجودها في حياته حتى ماتت، أما عائلة الثانية فلا يفكرون في شيء غير قاتل ابنتهم. لكن الغريب بين كل هذه الأحداث أن صادق لا يتذكر شيئا عن اليوم الذي قابل فيه منار، و لا يتذكر أنها قابلها يوما ! و بالرغم من ذلك فقد أخبر الشرطة بأنه فعل، لأنه فكر بأنّ نكرانه للقائهما قد يؤدي للشك به، و بذلك سيتحمل عقاب جريمة ارتكبها شخص آخر، لقد كانت الرسائل التي تبادلاها صادق و منار عن تخطيطهما للقاء، ثم تلتها رسائل منار التي كتبت فيها :
" صادق هل وصلت لمنزلك ؟! شكرا لك على تلبية دعوتي، سأعمل بنصائحك عن ذلك الموضوع ؛) "
كانت تلك آخر رسالة في صندوق رسائلهما، و بذلك لم يثبت أي شيء عن لقائهما أو ما حدث فيه، مما شوّش ذهن صادق، إذ لا يعقل أنهما التقيا لكنه لا يتذكر شيئا عن ذلك، و لا حتى عن النصائح التي ذُكرت في الرسالة !!.
اوووه! هذه الصورة لا تتبع إرشادات المحتوى الخاصة بنا. لمتابعة النشر، يرجى إزالتها أو تحميل صورة أخرى.