٦

1.8K 63 1
                                        

شحب وجه مروان، و عرف بأن ما خشي منه طوال السنوات الماضية قد حدث، لكنه لا ينكر بأن شعورا غريبا بالراحة قد اجتاحه، ربما لأنه كان مرهقا من التمثيل و حمل شخصية أحد آخر على كاهله، فالتظاهر بما لا يشبهك صعب جدا، ليبدأ الاعتراف :

-" تعرفت على مروان في مدرسة داخلية، "
ابتسم و أردف :

-" يبدو غريبا لمسمعي أن أطلق مروان على صاحب الإسم الحقيقي، فقد صدقت التمثيلية التي مثلتها لسنوات "

ثم صمت للحظات و كأنه يحاول ابتلاع غصة عالقة في حلقه، ليتابع كلامه

-" كان الجميع في الفصل يقول بأننا متشابهين كثيرا، كانت ملامح مروان قريبة لملامحي، إلا أن شخصيتينا كانتا مختلفتين، استغرب كل زملائنا من صداقتنا، فقد كان هو الفتى المثالي، البريء، الطيب، الهادئ، و كان لديه خطة لمستقبله و يعمل عليها، إضافة إلى والدين يحبانه و يبذلان كل مجهودهما في تحقيق رغباته و إسعاده، حتى أن الدراسة في مدرسة داخلية كانت فكرته، .. أما أنا فقد كنت عكسه تماما، كنت متمردا، أتعاطى الممنوعات، أعيش دون هدف أو خطة للمستقبل، و قد تطلق والداي بعد بضع سنوات من ولادتي، و كلاهما ألقيا بمسؤولية خلافاتهما و فراقهما علي، فبالكاد كان يتحملان النظر إلى وجهي، .. "

سكت للحظات و هو يتذكر أكثر ذكرى مؤلمة في حياته :

-" في ذلك اليوم،.. اليوم الذي مات فيه مروان،... كنت قد تعاطيت الممنوعات، و نظرا لكونه لا يملك رخصة سياقة، فقد أصررت أن أقود أنا السيارة، رغم كونه قد عرض علي أن توصلنا سيارة أجرة إلا أنني رفضت، و كان ذلك أغبى و أسوأ قرار اتخذته، انحرفت السيارة عن مسارها، ثم حدث كل شيء بسرعة، حتى لم أعد أرى سوى الظلام، و صرخات مروان تتردد في مسامعي، .. حين استيقظت كانت الدماء تسيل من وجهينا، و زجاج السيارة المكسور قد نشر خدوشه على أجسادنا، تضررت ملامحنا، و لم أكن أشعر بأي طرف من جسدي، كنت مخدرا من شدة الألم، و مروان لم يكن يتحرك،.. لا أعرف من اتصل بالإسعاف، أو كم استغرقت لتصل، إلا أن عند وصولهم كان مروان قد فارق الحياة، أما أنا فقد كنت ما أزال في وعيي حين تم سؤالي عن إسمي، لأقول بصوت خافت : مروان .. مروان  .. لم أكن أقصد بأن اسمي مروان، بل أردت الاطمئنان على وضعه، مكثت في قسم الإنعاش بضعة أيام، و حين فتحت عيناي، وجدت نفسي أحمل إسم صديقي، و هويته، كانت أمه جالسة إلى جانبي حين عاد وعيي، و اهتمامها الشديد بي نظرا لنقص الحنان الذي أعاني منه، جعل لساني ينعقد عن التفوه بالحقيقة، أو أنني خشيت مصارحتها بكوني من تسببت بفقدانها لابنها الوحيد،.. حين دخلت الشرطة للتحدث معي حول الحادث الذي كنت سببه إذ كنت  أنا من أقود، كان والدي مروان مستعدان للدفاع عني، ظنا منهما أنني ابنهما، ففكرت بأنه لو كان والداي من في هذا الموقف فلن يدافعا عني، بل سيحرصان على أن أنال أقصى عقاب، لذا بدا أفضل مهرب لي هو انتحال شخصية صديقي المتوفى، فعاش هو و متت أنا ".

حين كُسرت الساعة الرمليةحيث تعيش القصص. اكتشف الآن