سورة الكهف هي سورة تربيةٍ وتأديب ..
وهي سورة - كعادة السورة القصصية - قريبة من نفوس الناس، ومعانيها في متناول الفؤاد!
سورة الكهف تتألف من مقدمة، وقصص أربع مع تعليق قرآني مطول على أول قصتين خصوصًا، ثم خاتمة ..
تبدأ السورة بحمد الله على نعمة الهداية وإنزال الكتاب، وتبين وظيفة ذلك الكتاب .. [لينذر بأسًا شديدًا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا ..]
ثم تذكر السورة حزن النبي صلى الله عليه وسلم الشديد لعدم إيمان الناس بالحق، وعمايتهم عن الهدى، ثم يبدأ السرد القصصي الذي جاء تثبيتًَا للنبي وتصبيرًا، وتفهيمًا له وتعليمًا ..
[1] قصة أصحاب الكهف: وهي قصة الإيمان في زمن الاستضعاف، قصة تعلم المؤمن أمورًا جمة، منها:
- أن الكهف مع الإيمان رحمة، والأرض الفسيحة مع الكفران سجن .. [إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا]، [إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا]
- أن الدين يُحمل على أعتاق [الفتية]، وبصلاحهم وبأسهم يُنصر الحق، والفتية هم من نصروا النبي صلى الله عليه وسلم.
- أن الصحبة الصالحة تدعم الإيمان وتثبت القدم وتداوي آلام الغربة [أصحاب الكهف]، [فتية آمنوا بربهم]، حتى الكلب لما صاحبهم شرف ونبل حتى ذُكر في كتاب الله!
وتجد هذا صريحًا في التعليق القرآني على القصة، [واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا]
- أن الاستضعاف لا يمنعك من الصدع بالحق، وأن كثرة مخالفيك وقربهم منك لا تدفعك إلى الشك فيه، وأن الله ينصرك حينئذ وينشر لك من رحمته [إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى . وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا . هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا]
وتجد هذا جليًا في التعليق القرآني على القصة، [واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا]، [وقل الحق من ربكم ..] إلى آخر الآيات
.
[2] قصة صاحب الجنتين: وهي قصة ميزان الحق والباطل، قصة تعلمك:
- أن الحق لا يُوزن بميزان الدنيا، وأن العاقبة ليست لمن تقلب في نعيمها، وأن زهرة الدنيا تبيد، وأن صاحب الحق قد يكون أقل مالًا وولدًا، وألا تكون كمن قال [ما أظن أن تبيد هذه أبدا . وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا]
ويزدهر ذلك في التعليق القرآني على القصة، [واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا . المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا . ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا . وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ..]
- أن وظيفة المؤمن أن يبلغ ويصلح ما استطاع، وإن صُمت الأذان وماتت القلوب، حتى يأتي أمر الله [قال له صاحبه وهو يحاوره ..]
وتجد هذا في التعليق القرآني، [ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس] إلى آخر آيات التعليق.
- أن العاقبة آتية لا محالة، لكن لها موعدًا لن تخلفه [وأحيط بثمره ..]
وتجد التعليق القرآني يخبرك، [وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا . وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا]
- أن الكفران داء يخرب كل زهرة، ويقتل كل حياة، ويطفئ كل سراج [فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا]
- أن النصير هو الله وحده، وكل حبل من دونه مقطوع، [ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا . هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا]
وتجد التعليق القرآني يُظهر لك سفه من استنتصر الشيطان الذي هو له عدو، وما يجده من فقدان النصير والمجير [وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ..] الآيات.
.
[3] قصة الخضرعليه السلام: وهي قصة الأقدار، وهي تدور حول معنى كلي عظيم جدًا، وهو قصور علم الإنسان مهما أوتي من الحكمة ما أوتي، وأن علم الله سر عظيم، وأن عقلك لن يستطيع مع قدر الله صبرًا ..
ستقابلك في حياتك سفنًا كثيرًا تُخرّق لك ولغيرك، لا تنكر قدر الله وحكمته، [إنك لن تستطيع معي صبرًا] ..
ستسيل على أرض دماء الكثير من الغلمان، ولكنك لستَ أرحم من الله بعباده وأعلم بهم، [إنك لن تستطيع معي صبرًا] ..
سترى كثيرًا مما لا تفهمه أو يبلغه عقلك، ولن تدرك كنه ذلك أبدًا، [إنك لن تستطيع معي صبرًا]
أما التعليق القرآني فليس له داعٍ ههنا، لأنه جاء كاملًا على لسان الخضر، وخلاصته [رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا]
.
[4] قصة ذي القرنين: وهي قصة الإصلاح في الأرض، ومن أجل دروسها:
- أن تمكين المؤمن في الأرض له ضريبة وغاية، وهو السعي في إصلاحها، ودرء الفساد عنها .. [إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببًا . فأتبع سببًا]
- أن إعداد الأسباب، والأخذ بها من وظائف المؤمن في هذه الحياة، وكذلك كقوله سبحانه [وأعدوا لهم ما استطعتم ..]
- أن قاعدة الولاء والبراء هي الدين والاعتقاد، وأن ذلك هو ميزان المجاهد في سبيل الله، والساعي إلى إصلاح الناس [قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا . وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا]
- أن وظيفة المؤمن المجاهد هي دفع أسباب فساد الدنيا والآخرة، لا جمع الأموال أو طلب الملك، وأن سبيله إلى ذلك هو الأخذ بأسباب القوة، وجمع قلوب الناس على الحق، ومدافعة الباطل.
.
تلتحم الخاتمة التحامًا بديعًا بكلام ذي القرنين .. [قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا . وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا . وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا .. ] الآيات ..
لتبين أن عناد هؤلاء المشركين وضلالهم لن يمر بغير حساب، أن صبر المؤمنين لن يكون هباءً من غير ثواب، وهذا هو خلاصة دروس قصص السورة.
ثم تجد زبدة هذه الخلاصة في الخاتمة الجامعة [قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا]
.
أخيرًا، لا يمكن أن نغفل ما في قصص السورة من التصوير العظيم، والسرد البديع لدقائق الوقائع، حتى تشعر أنك مرافق لفتية الكهف في كهفهم، والصاحب الثالث لصاحب الجنتين، وثالث ثلاثة في رحلة موسى ويوشع بن نون، وجندي من جنود ذي القرنين، وهذا يتجلى في تفاصيل كثيرة يضيق عنها المقام، وأتركها لوجدانك!
- الشيخ كريم حلمي
أنت تقرأ
همسات لقلبك ٤
Spiritüelهمسات للقلوب -وتذكير بان الله بجانبك ولن يتركك..! تصميم الغلاف من تصميم المبدعه nnn_mmm
