لا زلت جالسا في شرفة البيت، فوق الكرسي الخشبي العتيق، الذي أعتدت أن أحادثك وأنا أجلس فوقة.
تشير الساعة إلى الرابعة وأربع دقائق بعد منتصف الفراق.
أشعر بشيء من الألم عند أسفل ظهري، و بالكثير من الحرارة في عيني، وألم طفيف في أصابع يدي، أظن بأن هذا البوح يكفي.
يجب أن أحتفظ ببعض الكلام في صدري.
أعيد قلم الرصاص إلى مكانه الأول خلف أذني، أطفئ الشمعة التي شارفت على الانتهاء،
أرتب الأوراق المتناثرة أمامي ورقة فوق ورقة، أختلس النظر من زواية عيني، لا يزال طيفك يقف خلف كتفي يختلس النظر إلى ما أكتبه لك.
آخذ نفسا عميقا، أعود مرة أخرى لمشابكة يدي الباردتين،
أرفع رأسي نحو السماء، أردد الترنيمة ذاتها التي رددتها قبل أن أشرع في الكتابة،
بنفس الصوت الخافت الذي يشبة ضوء القمر الفضي الناعم الذي لا يزال يضيء الأرجاء :
(( يا أيتها الاقدار،
فقد أخطأ الفراق بحقي كثيرا،
هذا الكتاب رسالة الى تلك الغائبة،
تلك التي لم أعد أعلم عن أمرها شيئا،
تلك التي ما عاد الوصول إليها ممكنا،
يا أيتها الأقدار،
دعيها تمض بمحاذاة هذا الكتاب،
دعيها تلتفت إلية،
دعيها تتعرف على صورتي المطبوعة على غلافة،
دعيها تمسك به،
وتقرأه لتعرف أنها في غيابها كانت دائما معي،
وأني أحببتها ولا أزال وسأظل أحبها إلى الأبد)).
حين أنتهيت من ترديد الترنيمة، ألتفت إلى طيفك،
حين ألتقيت عيني بعينه لم يختفي فورا كما كنت أظنه سيفعل، بل ظل ينظر إلي قليلا، ثم حرك شفتيه وقال لي
بصوت صامت يشبه الدخان الذي لا يزال يتصاعد من فتيل الشمعة :
(( أنا لك وأنت لي)).
ثم أختفى، وبعد قليل من أختفائة، سمعت الرياح تردد خلفة :
((أنا لك وأنت لي)).
حين أنتهيت من ترتيب الأوراق، جاء الوقت لكي ألتقط لنفسي الصورة التي سأضعها على غلاف الكتاب .
حملت أوراقي، ذهبت إلى غرفتي، ووضعت الأوراق داخل الصندوق الخشبي الذي أخبئ فيه أشياءك.
بدلت الكنزة الشتائية التي كنت أرتديهاا، بلباس أعتقد أنه سيكون مناسبا للصورة.
أجتذبت الكاميرا الرقميه، أوقفتها على القوائم الخاصة بها، أزحت الستارة قليلا كي أسمح لضوء القمر بأن يضيء الغرفة.
ضبطت مؤقت الكاميرا على تسع ثواني، كبست على الزر، ثم وقفت أمام العدسة.
وعند الثانية الرابعه، عاد طيفك يقف مرة أخرى خلفي،
لم ألتفت نحوه، ولكني أختلست النظر إليه من زاويه عيني.
ورغم أني عاودت النظر سريعا وبلا وعي صوب العدسة، إلا أنني تمكنت من رؤيته جيدا.
كان جميلا كطفل يتثاءب، أنيقا كحفلة ملكية،
وهو يقف خلف كتفي الأيمن، مرتديا فستان الزفاف الأبيض الذي أشتريته مؤخرا، والذي كان من المفترض أن ترتدية لي قريبا لو أننا لم نفترق.
أنت تقرأ
مدينة الحب لا يسكنها العقلاء
Romanceهناك شخص واحد فقط نقع في حبه، وكل ما يأتي بعده للنسيان
