خطيئة

358 7 1
                                        

اسمي سامي..

يُطلق عليّ أبي اسم سام, لأن أحرف البداية تشابه اسم أمي سامنثا ولطالما أخبرني أني أشبهها كثيرًا بإختلافي. أما خالتي بريجت فقد كان لها رأيٌ آخر إذ أصرَت على تكرار هذا الأمر مرارًا وتكرارًا بقولها أنه يجب أن يكون تذكيرًا لي, أن أعيش حياتي بحقيقة أني تنفستُ أنفاسي الأولى على آخر أنفاس أمي.. سامنثا. وأعتقد أن لأجل هذا كانوا لا يعترفون بي إلا كلعنة شؤم ما كان يجب على أمي أن تُصر عليها بالرغم من كل المخاطر المترتبة على هذا الأمر.
ولأني كما قال جدّي مارك:"ليته كان سويًا ليستحق الأمر, ابنتي ماتت لأجل معاق عقلي."
وأجل, لم يكن للأمر أهمية لو ذكر أمامي, إني المجنون الذي لن يدرك الأمر, والذي إن أدرك سيكون جزاءًا لكونه هكذا, ولأنه أتى بهذا القدَر, وكأنه حين خيّر بين الأقدار ما إختار إلا قدَر قتل أمه.
عشت خمس سنواتٍ من عمري على هذا الحال, على كوني خطيئة شاء الربُ أن يعاقبهم على خطاياهم بها.
إلا أبي, كان أشدهم فقدًا لأمي وأكثرهم حبًا وإيمانَا بي..
كل تلك الأشياء الغير سليمة بعقلي, وتصرفاتي.. أخبرني أنها تصرفاتُ العباقرة!
كان يبكي ليلا في كل مره, على مشقَة الأمر, وعلى الوحدة المقيتة دون أمي.. وعلى بُهت الحياة التي ما إختارت أن تسلب منه إلا أغلى ما يملك.. وأفضل ما حصل عليه, أمي.
بالرغم من كل هذا الحزن الذي أكاد أجزم أنه هجر قلوب جميع من في الكون ليستوطن قلب أبي, كان يبتسم!
لم أره يومًا بحالٍ بائسة أمامي, إنه يبكي أجل.. لكنه كان يبكي ليلا ظنًا منه أني لا أنصت, أني لا أعرف.. كان على عكس الجميع, أحبّني بكل ما بيّ, أحبّني.
كان أمر خالتي بريجت وجدي مارك لا يُطاق بالنسبة لأبي.. إنه يدرك أني أعاني خللا دماغيًا ما يجعلني أعاني صعوبة في الإحساس بالمشاعر أو بمعرفة حقيقتها, كان يعرف.. لكنه لم يكن يكترث, لطالما إعتبرني شخص مميز لا يستحق كل هذا.
حتى أتت تلك الليلة, التي أعلم أنها لم تكن مُفاجئة إنما أتت بعد تفكيرٍ طويل.. كانت نتاج كل ذلك الشرود الذي كان يسرق ابي من الواقع المحيط لأشهر, العودة إلى الوطن.. إلى السعودية التي تركها بدافع الهجرة لأربعة عشر عام.
التي تركها بنيّة اللا رجوع, لأجلي فقط.. ترك كل ما عمل لاجله هذه السنوات, لأنه كان يؤمن بي.. لم يكن الأمر عن ثقة بأني سأكون بقدر كل توقعاته مني, بالواقع طوال هذه الخمس سنوات لم أعطي أي بادرة على كوني أكثر من نكرة, لطالما هُمّشت ممن في عمري, وتملل مني البالغين بقولهم أني لا أعطي أية ردود أفعال ممتعة, وأني بلغتُ الخامسة بدون القدرة على النطق.. كانوا ينظرون لي بأني ما يجب أن يُصبر عليه, وأني الحمل الثقيل الذي حُمّل به أبي المسكين.
رغم صغر سنّي وقتها, لا زلت أتذكر بوب, صديق أبي من العمل..
إن أبي يعمل كدكتور في جامعة ما هُنا إن لم أذكر الأمر, على أي حال, كان بوب يخبر أبي عن دار عناية جيّدة تقدم مساعدة لا بأس بها للمرضى "أمثال ابنك", وأنه يجب عليه أن يضعني هناك ويقع بحب امرأة أخرى وأن لا يظل على هذه الحال وإلا أدى به الأمر إلى حالات إكتئاب.. ولقد أخبره أنه يستطيع زيارتي هناك كل شهر, ثم أضاف" رغم أني لا اعلم من سيشتاق لصبيٍ مثله"..
إنني أعاني صعوبة بالتكلم, لكن لدي ذاكرة جيّدة.. إنني لا أستطيع نسيان أي ذكرى أو كلمة, لذلك إني أتحفظ على كون هذه الذاكرة "جيدة" كما ذكرت سابقّا.
على أي حال, بسبب جذور أبي العربية, لقد ذاق ذرعًا من كل هؤلاء البشر هنا, كل هذه الأراء التي لم يسأل عنها والتي تُغرس كخناجر في قلبه في كل مرةٍ تُقال ثم يلتفت إليّ ليرى تلك التعابير البلهاء التي في وجهي.. والتي لا تشعر بالحزن على أيِ مما يقال.. والتي لا تشعر بتاتًا.
لقد أتى إليّ وقد كنت على وشك الإنغماس بالنوم على حسب ما أتذكر.. بعينيه التي لم تذرف كل الدموع التي كان من المفترض أن تذرفها الليلة ككل ليلة, وأنفه الذي يميلُ للإحمرار, وبهذه اللحظة فقط قد بدأتُ ألاحظ خصل شعره البيضاء.. يبدو أن أبي قد تخلّى عن صورة الأمير العربي منذ فترة, يبدو أن هذه الصورة لم يكن من المسلي إظهارها لغير أمي, لأنها لم تبتدع إلا لأمي.. ولم يقع أحدٌ بحبّها أكثر من أمي, هذا ما كان يقوله لي أبي على الدوام.. عن حقيقة الوقوع بالحب, وعن حبهما بشكلٍ خاص, وأنني إستثنائي لهذه الدرجة بسبب أن ما بينه وأمي لم يكن يشبه أي شيء, لم يحبّه أي أحد من قبل.. إنه أكبر من أي قصة حُب كتبت أو سطّرها التاريخ.

- بُني, هل أنت مستيقظ؟

لقد نظرتُ إليه كإشارة على أني كذلك, بسبب أني لم أكن قادرًا على الكلام في ذلك الوقت, لقد جلس إلى جانبي.. إبتسم, ولم أعرف حتى هذه اللحظة إبتسامةً حزينة أكثر من إبتسامته تلك..

- أعتقد أننا سننتقل! في الحقيقة, أنت لا تريد العيش هنا طيلة الوقت, لقد عشت هنا كثيرًا والأمر ممل صدقني. لذلك سننتقل لمكانِ آخر.. أكثر تشويقًا, ويوجد به أناس مثيرين للإهتمام!

لقد نظرت إليه نظرتي البلهاء ذاتها, بتعابيري الباردة ذاتها.. وأعتقد أن أمنيتي الوحيدة الآن هي العودة لهذه اللحظة لأربت على كتفه وأخبره بما كان من المفترض أن يسمعه, بأني حقًا أدعمه, وأني لستُ بهذا القدر من الفراغ..
على أي حال, لقد وضّبنا أمتعتنا, ولأكون دقيقًا أبي من فعل, لقد كتب رسالة يخبر بها خالتي وجدّي أننا عائدون للوطن, كان يعلم أن أمر رحيله لم يعد له أي أهمية منذ خمس سنواتٍ مضت..
إنه منتصف الليل الآن، إن الوقت يمر سريعًا حينما تتحدث إلى أحدهم، أو بالأصح "تكتب حديثًا للأوراق" كما هي الحال الآن, لقد كدتُ أن أنسى هذا الشعور.. أعتقد أن أربع سنوات قد مرّت بدون الحديث لأحدٍ ما عن أموري الخاصة, مضت مده منذ أن سألني أحد ما أي شيء, لقد مرت أربع سنوات منذ أن سمعت صوتًا غير صوت مربين الميتم اللذين يصرخون هنا وهناك متمللين من الأقدار التي جعلتهم يصلون إلى ما وصلوا إليه الآن.. رعاة لأطفال أناس آخرين عجزوا عن رعايتهم ذويهم, وأقاربهم.
يجب أن أخلد إلى النوم الآن, لا أعتقد أني أريد أن أتلقى عقابًا على كوني عاصيًا.. يكفيني كل تلك العقابات التي عاقبتني ولا زالت تعاقبني بها الحياة.
من الجيّد الكتابة عن تلك الأمور وإزالتها من على كاهل صدري, لقد كنتُ قريبًا جدًا من فقدان القدرة على التكلم مرة أخرى لقلّة حديثي للآخرين, لنؤجل إكمال الكتابة إلى وقتٍ آخر عزيزتي مُذكراتي ولنحاول الحصول على قسط من الراحة.

NOTE BOOKقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن