لم يكن هناك سوي الألم وأصوات الغناء المنبعث من كاسيت السيارة .. هذه الأصوات كانت تخبو تاركة فراغاً سرمدياً ومعها يزول الألم .. ثم كان كل شئ يعود مرة أخري .. كان يتمني الموت لكنه لم يدرك قط أنه تمناه .. الظلام الدامس البكر.. الصخرة التي كشف عنها الجزر في شاطئ (ريفير) .. كانت أمه تأخذه إلى هناك .. وكانت الصخرة البيضاء تتغطي بالأمواج كلما تعالى المد .. وكان يصر علي الجلوس هناك يراقبها .. ثم يأتي الجزر .. وتتكشف الصخرة ببطئ .. ببطئ كأنياب وحش أسطوري يغفو تحت الأعماق .. كانت الأم تجمع حاجيات (بولي) .. نعم! .. هذا هو اسمي .. (بولي) .. كنت قد نسيته ..
وهنا - بين أستار الظلام - أدرك أنه لا يستطيع أن يتنفس .. أدرك ذلك في رضا لأنه سلم اللعبة ولم يعد يتحمل أكثر ..
وهنا شعر بشفتين جافتين تنطبقان علي شفتيه .. وشعر بالهواء يندفع فيه .. حنجرته .. رئتيه .. وشم في اشمئزاز رائحة الأنفاس مختلطة بالشيكولاتة وكعك الفانيليا .. , وسمع صوت يصرخ :
- تنفس يا (بول) .. تنفس .. عليك اللعنة !
حاول أن يقاوم .. لكن الهواء الملوث بالشيكولاتة عاد يندفع عبر رئتيه .. أرجوك .. لا ... لا تدخلي هذا الشيء البشع في صدري مرة أخري ..
- تنفس .. عليك اللعنة !.
في هذة المرة سعل بقوة.. وحاول أن يجعل صدره يتحرك قبل أن تعيد الكره .. سعل .. وفي هذه المرة استطاع أن يأخذ نفساً عميقاً .. وبدأ يتنفس بعمق محاولاً أن يغسل صدره من عفن أنفاسها ..
وعاد ينزلق إلى عالم الغيبوبة .
هذه المرة اقترب كثيراً جداً من الصخرة .. وأدرك دون جهد أنها تخلص حالة آلامه .. فحين ينحسر الجزر عنها يتزايد ألمه .. وحين يرتفع المد وتغطيها المياه يتلاشي ألمه تماماً .
وحين استطاع أخيراً أن يفتح عينيه .. وأن يفتح شفتيه برغم اللعاب اللزج الملتصق بهما ؛ وحين رأي المرأة جالسة بجوار فراشه تقرأ كتاباً , كان أول ما لاحظه هو أن مؤلف الكتاب يدعي (بول شيلدون) .. بصعوبة تذكر أن هذا هو اسمه ..
أما ثاني شئ فعله فهو أن سأل السؤال التقليدي :
- أين أنا ؟
قالت في رزانة :
- أنت في (سايوندر) ب (كولورادو) .. اسمي(آني ويكلز) ,, وأنا...
- أعرف .. أنت المعجبة الأولى بكتاباتي.
ابتسمت .. وقالت :
- بالفعل أنا كذلك ! .
*******************

أنت تقرأ
الشيطانة -مكتملة-
Mystery / Thrillerلا تخافوا من (آني) .. صحيح أنها تهوى القتل .. صحيح أنها تعيش وحدها في عالم مريع .. صحيح أنها مخبولة تماماً .. صحيح أنها تمسك فأساً وتتسلى بتمزيق وجهها .. لكنها إنسانة لطيفة .. تهوى القراءة , وحين يقع كاتبها المفضل (بول شيلدون) أسيراً في قبضتها فإنها...