كانت جالسة عند الشرفة ، تحدق بالمارة في هدوء ، و تغير نظرها من حين لآخر للسماء ، تراقب النجوم ، و تشرد في سواد الليل ، و رغم أن مظهرها كان يوحي أنها على ما يرام ، إلا أن الدموع كانت تستقر على حافة عينيها ، تحتاج فقط إلى قطرة تسكب ذلك الكأس الممتلئ ، الليل طويل ، و مكوثها في الشرفة كذلك ، تمنت لو أن النوم يأتي من حيث لا تدري ، و لكن ، الأرق الذي أصابها حال دون ذلك ، الجو يزداد قسوة ، و أطرافها ترتجف ، لكنها لم تنعم بالراحة حتى تحت غطائها الدافئ ، كل شيء يعطي طابعا من البرودة ، و معه البحيرة التي تكونت عند سفح مقلتيها أصبحت منزلقا جليديا ، و ما الذي عساه يشفي قلبها الفائض غله ؟ فحتى الجروح التي كانت تشفى بمرور الوقت و تلتئم قد انفتحت و انبثق منها عبق الألم و الأسى ، ترغب بالسقوط أرضا ، لكن حتى الأرض الباردة ابت احتضانها ، فمن عساه يأخذ بيدها و يرشدها للنور ؟ لكن حتى الأشباح التي تطوف بالهواء قد رفضت حتى لمسها و لو إخافتها
ابتسمت بسخرية لحالها المزري ، و صارت تفرك ساعديها بكفيها الصغيرتين ، ثم وجهت يدها نحو يسار صدرها ، تدق على فؤادها المثقل بكل الهموم ، تطلب منه أن يفرج عن كل ما يحمل من أسقام ، حتى لو كان يؤلم ، فذلك أفضل من التعذب على أنغام أحزانها ، أحاطت نفسها بذراعيها ، كأنها تعانق نفسها ، ليتحرر سبيل تلك القطرات المالحة التي حرقت وجنتيها الحمروتان و يشتد نحيبها
"حتى في ظل وحدتي القاتمة ، سأكون أنا رفيق دربي ، سأكون أنا عون نفسي ، سأكون أنا مزيل همومها ، و مطهر جروحها ، فمهما تجمع الناس حولي ، ستكون هي الدائمة لي ، ستكون كنزي الذي سأسعى دوما للحفاظ عليه "
