كَتَبتْ في مدوّنتها..
"يُقَالُ بأَنَ كُوباً مِن القَهوة يُحسّن المَزاج وَيهدِئ البَال ويُدفئ القَلب ويخَفِف الأَوجَاع، فالقَهوَةُ عِند العرب كرم وجود، وعند الأدباء مصدر الهام، وعند العشاق مستودع أسرار.. "
وكوباً من القهوة كان كفيلاً بأن يغير مجرى حياة فتاة.. فتاة عينيها بلون القهوة، واسعة وبنية وداكنة.. وذات عمق ودفء..
كان يوماً ممطراً.. ولم تجد موقفا للسيارة قريباً من المدخل..
تساقط رذاذ المطر على عباءتها وبلل حقيبتها القماشية بينما كانت تمشي مسرعة لتدخل المقهى الصغير.. وعندما دخلت احتوتها رائحة القهوة القوية.. مختلطة برائحة السجائر وأصوات الجالسين في المقهى..
كان المقهى مزدحماً بشتى أنواع الناس.. ولكل منهم سببا يدفعه للجلوس في هذا المقهى الصغير.. شقت طريقها بين الطاولات والأرجل متجهة نحو طاولة في الزاوية في أقصى المقهى خلف عمود حجري، رغبة ببعض الخصوصية وعندما همت بوضع متاعها انتبهت لوجود لاب توب على الطاولة وبجواره مفاتيح سيارة.. وقريبا من الطاولة كان يقف رجلاً منشغلا بمكالمة هاتفية..
فآثرت الجلوس على الطاولة المجاورة.. لم تكن كالأخرى ولكنها توفر لها بعض الخصوصية..
ألقت ما بين يديها واتجهت لطلب القهوة، والتي لم تكن تشبه القهوة كثيرا.. فقهوتها برغم برودة الجو باردة ومليئة بالكريمة والكراميل.. عادت تحملها وهي تغطي كفها بطرف قميصها القطني كي لا تتجمد يدها بسبب برودة القهوة، نظرت إلى الجوال منشغلة بالرسائل وبينما هي كذلك اصطدمت بكرسي وفي لحظات انزلق الكوب وطار من يدها فانسكبت القهوة على الشاب المسكين الذي كان يتحدث بالهاتف.. كان يمكنها أن تتفادى ذلك الموقف لو لم تنشغل بالهاتف.. ولكن لا يمكن أن تعود بالزمن للوراء.. "هل أهرب؟".. فكرت..
وضعت كفها على فمها ونظرت إليه بخوف واحراج كان منظره مثيراً للشفقة والضحك في نفس الوقت.. فثوبه ووجهه مبتلان بالكامل بالقهوة وقد لطخت الكريمة جزء من شواربه ولحيته.. نظرت إليه بملء عينيها وظلّ هو يحدق بها للحظات فظنت أنه سينفجر غاضباً، ثم أغمض عينيه وأخذ نفسا عميقا والتقط مفاتيح السيارة وخرج مسرعاً.. قالت عندما ادار ظهره "آسفه" بصوت أقرب للهمس ولكنه لم يسمعها أو ربما تجاهلها..
فقدت رغبتها في الكتابة أو شرب القهوة أو حتى الجلوس في المقهى.. نظرت حولها.. رأت السيدتين في الطاولة التي بجوارها، كانتا تنظران اليها فأدارتا رأسيهما وتظاهرتا بالانشغال بالحديث..
التقطت كوب القهوة وجلست على الكرسي في المقهى ونظرت إليه وما زالت فيه بقية من القهوة وبعض الكريما والكراميل وكرامتها.. ثم طلبت كوب قهوة آخر وجمعت أشيائها وما تبقى من ماء وجهها وهمت بالخروج من المقهى ولكنها لاحظت جهاز لابتوب على الطاولة الأخرى حيث كان يجلس ذلك الشاب.. أمسكت به و قلبته ربما تجد ما يدل على صاحبه.. ثم و بكل سذاجة دسته في حقيبتها القماشية فلربما تعتذر اليه بشكل لائق عندما تعيد اليه الجهاز.كَتَبتْ مساءً..
"مدوّنتي العزيزة.. أريد أن أخبرك بأننا نخشى دائماً من أن نخطئ، لأننا لا نعرف كيف نسامح أنفسنا.. وكيف نغفر لأرواحنا.. وعندما نخطئ مهما كان الخطأ صغيرا ننسحب لأننا لا نعرف كيف نبدأ من جديد..، ونخشى مواجهة من أخطأنا بحقه، ونلومه إن لم يسامحنا، وقد نتمكن من أن نعفو عن الآخرين إن هم أخطأوا بحقنا.. ولكننا نجهل كيف نصفح عن أنفسنا وأن ندع أرواحنا تعيش بسلام دون التردد إلى ذلك المكان في الذاكرة حيث نستعرض أخطائنا مراراً و تكراراً.. "
