E X I S T

2K 216 193
                                    


...

بعد مضيّ 12 شهرًا.

مخـــــرج

لم تكن الحياة يومًا لطيفة مع جوهان، فعندما كان في السابعة وجد نفسه في الشارع، طفلًا لم يذق الفقر من قبل فجأة ألُقي به في قلبه، حذاءه الأنيق ذو الشريطة البنية، عيناه البريئتان وسذاجة ذرعها فيه الرخاء الذي لطالما أحاط به، كلها لم تساعده على فهم معالم عالمه الجديد، سبعة سنوات نديّة بعدها سُحب من أسفله البساط فسقط على وجهه، والآن في لحظة بدت له حياته السابقة بأكملها كحُلم جميل استيقظ منه بصفعة قاسية، صفعة تلقاها من رجلٍ كان أول من نعته ب'المشرد' حينها أخيرًا وبعد مضيّ ما يقارب الشهرين على وفاة والديه، بكى جوهان.

سبع سنوات أخرى، وصار جوهان شخصًا أخر، فهم قوانين الشارع جيدًا ولم يعد ضعيفًا كما السابق، غادرت الدموع محجريه منذ زمن، وبدأ في شق طريقه، علم نفسه بنفسه، لم يرتد أي مدرسة ورغم ذلك لم يكن متأخرًا في دراسته، بل بالعكس متفوقاً فيها، فقد كان يتعلم من أجل العلم نفسه وليس من أجل الحصول على درجة تؤهله لدخول جامعة مرموقة، تلك التي ستمنحه وظيفة الأحلام التي ستفضي به للزواج من فتاة بارعة الجمال ليعيش في كنف الرخاء مع طفلٍ لطيفٍ يشبهه، كان جوهان يكره هذه الفكرة المبتذلة ويحارب من أجل أن يصير ما يريده، ما يمليه عليه شغفه وما يعلم يقينًا أن نفسه لن تستكين لسواه!

3 سنوات إزداد فيها رصيده من العمر، إلتقى جوهان برفيقه في مكتبة أقل ما يقال عنها مكتبة الأحلام، إرتشف من كوب قهوة لذيذ واستمع لعدة مقطوعات موسيقية غيرت حياته بالكامل، من هناك، كانت نقطة الانطلاق لحلم طار ليهبط سريعًا ويصير ركامًا.

بعمر ال32 كان جوهان أوسولد يشغل وظيفة مرموقة أفضت به للزواج من فتاة بارعة الجمال ليعيش في كنف الرخاء مع طفل لطيف يشبهه، بالرغم من أن جوهان كره هذه الفكرة المبتذلة وحارب من أجل أن يصير ما يريده إلا أنه استسلم في النهاية وانزلق عبر الهاوية ليصير مثله مثل الذين كان يحتقرهم: عاديًا، باردًا، مفرغـًا من الحياة!

وفي الليلة التي إلتقى فيها برفيقه بعد 8 سنوات من الجفاء والمقاطعة، بدأ يشكك في ما آل إليه، في يقينه، أحلامه، وسعادته التي كان يمكن أن تكون...ولكن الحياة لا تسير أبدًا كما نتوقعها، تحت وقع زخات المطر الرتيبة، بينما عينيه ساهمتين في عالمه الخاص، فقد سيطرته على المقود..انحرفت السيارة عن مسارها وكتبت له قدرًا جديدًا، انتهى بعودته إلى ذات المكان الذي بدأ منه.

أمسك بيده اليسرى عكاز أسنده إلى الحائط، أخرج من جيبه علبة مسكنات ليبتلع منها ثلاث حبات دفعة واحدة، كان الألم القادم من قدمه رهيبـًا لكنه فضل العيش معه على العيش بدون قدمه..هكذا اختار حين أبلغه الأطباء أن الضرر الذي أصابها لا يمكن إصلاحه ولا أمل من شفائها بالكامل.

نهايات بطعم القهوة ♫حيث تعيش القصص. اكتشف الآن