يا هذا: إذا كنت قد تنعمت في صغرك بمنة الأب و افترشت حنانه غطاءً لك، و إذا اِلتحفت بلحاف التضحية و الخوف عليك من لدن الأم، و إذا كان لك بيتاً تأوي إليه من بعد مشاغل الحياة، فاحمد ربك. لأن بيتي كان يقبع بأزقة الشوارع و ضواحيه، و غطائي كان لحاف الليل بنور القمر المتغضن من وراء كومة من الغمام، و بزينة البروج القاطنة بجانبه، و الملتفة حوله كأفعى محتالة، و افترشت الأرضية الإسمنتية من فوقها الورق المقوى أو الجرائد باختلاف الفصول الأربعة فراشاً لي. هنيئاً لك حقاً، كان لك أباً يدلي بك إلى المدرسة، و يهتم بأمرك، بفرحك يفرح، و لحزنك يحزن، سعادته رهينة بك، و لك أم تخاف عليك من نفسك، حريصة أشد الحرص على سلامتك، تجمع شتات فراشك، و تحضر هندامك، و تطهي طعامك، فمدرستي و تعليمي كان الشارع و الظلام، فرحي و حزني، آلامي و جروحي كانت للشارع و الليل.
في سنة 1999 أتيت إلى هذه الحياة براءة، و الفتى الذي لم يعرف أمه و لا أبيه، و قد ترعرع وحيداً في دار اليتامة، أنا ذلك اليتيم الذي افتقدت لدفء الأم، وحنان الأب، أنا الذي طوقني الألم بسكاكين جارحة، و غُرست في بدني واحدة تلو الأخرى، و اجتاح الأسى جسدي الهاري، ليخلق في نفسي مملكة من الخراب و التباب، كبرت وأنا أحس بنقص لاذع يسري بالشرايين، يجبرني على الاضمحلال والتلاشي، لاسيما عندما أرى الأطفال بصحبة آبائهم. حبذا لو كان عندي أباً أنا الآخر ألعب معه و أرتع، يربّت على كتفاي في كل هنيهة و حين، و يعطيني هدية في رزنامة السنة، أنتظر رجوعه بشغف بالعشية وفي يديه الحلوة، و يكون صديقاً لي، يا ليت كان لي أماً تهتم لشأني و أمري، توقظني في الصباح لأغسل وجهي و أجد مائدة الفطور جاهزة، ياليتني شقيت العمر كله على أن ألقى في عضدي أبي و أمي، يا ليتني خدمتهما طول عمري، ولكنا يكونا في جانبي، الحياة موحشة بلا أب و لا أم، كأني في دغل كثيف وأضعت السَّبِيلَ و لا مجال للخلاص، تغدو الحياة بئيسة مصطبغة بلون الكدر و البؤس على محيّاها الشاحبة، فتصير أيها اليتيم على شفا جرف من الهلاك و الانهيار، أيها اليتيم مهما حققت من نجاحات و طموحات، سيظل قلبك يغمره الندوب و الجراح، أيها البائس المضمحل ستساورك الآلام و المآسي، ستعيش في قتامة من البؤس إن رضيت عيش الشارع و أزقته و مساربه.اليتيم المعذب؛ في الشارع كنت أقضي نحبي، لقد نسجت خليتي على صغر سني، كان الشارع مملكتنا، و الظلام القاتم عرشنا، لقد حكمتهم حقاً، و تربعنا على عرش الظلام، و حكمنا مملكة الشارع، لم أكن كبقية الأطفال أنا، لقد جعلني الشارع غليظ القلب، فذ اللسان، كثعان، يلتف بروية على فريسته، بعد أن يرميه بسمه، كنت عاتياً مستبداً على صغر السن، لم توجد الرحمة في قاموسي الذي ارتويت به من الشارع، كان الشر يترقرق في عيناي الساوداوين، ويتطاير شرارته من المقلتين، لشد ما عانيت، ولكم قاسيت، أنا الذي على صغر السن شظف العيش تلذذت، و كدر الحياة تذوقت.
أنا ذلك الفقير المعدم الذي فر من دار اليتامة زحفاً، و خرج إلى الشارع جرياً، أنا ذلك الثعلب الماكر الذي يختلس أشياء الناس براءةً، والناجي من الشرطة دوماً، لم أعرف للهناء معنىً، ولا للراحة شكلاً، أنا الذي اتخذت الليل مأوىً، على طول خمس سنوات، غدٓا الليل أثيري، إنه ملاذي الأخير الذي آوي إليه، و الذي أشكي له همي وبثي، أصبحت كبرج في السماء على الليل أضيئ، لقد بلغ بي النصب وكلل النفس مبلغه، ودخلت تحت سطوة الإرهاق والإحباط محله، أصبحت فاتر الصدر، عديم العاطفة. أنا الذي درست ودرّست تجارب الحياة برزاياها ومسراتها، أنا الذي صرت في التحايل والاختلاس فناناً، وفي المكر والخداع مثقفاً، كالأسود كنت، اللاتي لا تخرج للاصطياد، حتى ينسج الليل خيوط عرش الظلام الجاثم على ناصية من الأرض.
حيث مملكة الشارع حيث عرش الظلام؛ الطريق المحفوف بأشد الألغام الدفينة، السبيل المليء بالأشواك كمستنقع مكتنز بالتماسيح و الْحَيَّات، فالشارع يا صاح، شأنه شأن الغابة لا فرق، و قاعدة واحدة مشتركة فيما بينهما؛ القوي يغلب الضعيف، لكي تكون قوياً في خضم جحفل من المستبدين و الطغاة، عليك بتأسيس عرش مملكتك، ليس لليد حيلة، أمام استبداد البشر العاتي، فاليد الواحدة لا تصفق، و إن صفقت ستسمع فقط سفير رياحها واهية ، أتحسب أني اخترت المحيص من دار اليتامة بعفويتي؟، أتعتقد أني قررت المناص من النعيم بتلقاء نفسي؟، لو كان الأمر يروق لي لظللت، لكن يا صاحبي، النفس البشرية أمارة بالسوء حقا، حقيرة إن لم تكبح جماحها، عندما يستغلون كائنات اسمهم البشر، الذين كرمهم الله على سائر المخلوقات مغرياتها و أهواءها، ليجعلوا منك يدا لأعمالهم القذرة و الوسخة، لقد وجدت ضالتي في الشارع، لقيته هو المأوى الآمن لي من دار اليتامة.
لقد انعدمت الإنسانية في نفسي، فقيمكم النبيلة و الأخلاقية لم تكن حاضرةً في قاموسي، لا تعجب من هذا يا صاحبي، هذا هو القانون الذي ينص عليه الشارع، و يجب احترام بُنده، انعدام الإنسانية، فوربك قل لي: ماذا تنتظر من إنسان برمجته العقلية كانت الشارع، و يطوف من حوله وحوش مملكة السواد القابعة على ناصية الأرض، ذو العيون المترقرقة بالمكر و الخداع، في الشارع نفسك لا تثق بها، له آذان صاغية في كل حدب و صوب، وكما تعلم يا صاح المثل القائل؛ النهار بعينيه و الليل بأذنيه ، للشارع مخالب من برثان سمه سم ثعبان، تقبض على عقلك وتسطو عليه، تدس سمها بمشاعرك، تشتت تركيزك، فكيف تعتقد أن تكون النتائج.
بعد طول هذه العشرة مع الليل والشارع، علمت أن من وراء سواد الليل وظلمته الحالكة، في عين غرارة مني ينبلج فجر حالم بهوادته الهادئة، ومن بعده تبزغ الشمس من مرقدها بنبراس منير.لا توجس مني خيفة يا صاح، فأنا لست سيئاً إلى هذه الدرجة، و لا يرتابك الأمر مني كثيراً، فالأمر ليس بيدي، أحس بك يا صاحبي، أن سوء الظن بي قد اغتالك و سطا على أفكارك ، و الريبة تسللت إلى مشاعرك نحوي باحتيال، كثعلب بلغ به المكر مبلغه، لا عجب في هذا، إنما هذا شيء بديهي، و ما هو إلا طبعنا البشري الذي يحكم على الآخر من الوهلة الأولى دون دراية به أو معرفة، لكن يا صاحبي لا تحكم علي الآن، مازلتَ لم تتعرف علي بعد، سأترك لك الحكم إلى فترة قادمة من هاته القصة، فهلم جراً معي.

أنت تقرأ
اليتيم
Historical Fictionإلى الذي ضيّع السبيل و أخذ لنفسه المشاكل الاجتماعية عذراً. إلى الذي استسلم و وقف في نصف الطريق و لم يقوٓ على المواصلة. إلى الذي اعتصر الألم قوته، و أنزفت المعاناة دم جسده. إلى الذي نصّب من نفسه و وهب حياته فداءً لتحقيق حلمه. إلى...