بعد طول انبلاج الفجر علي، و بزوغ ضياء الشمس في وجهي، و نور القمر على نفسي، أتى شيء جعل الأمور كما كانت عليه من قبل، لا تحسب أن الأمر توقف هنا، لا تزال لم ترَ شيئاً البتة، لأن ما رأيته إلا القليل من الكثير. فقد علمني الشارع و الظلام أن أكون ثعلباً، وفي المكر فناناً، أو أن أصير لقمة سائغة لهم ، وتعلمت ان آخذ الشيء من فم الأسد، لكن زمن المكر و الخداع و الاحتيال قد انتهى. عندما تجد نفسك في ذروة الجبل يزداد عليك الضغط، ستجد طريقاً مفترشاً بالحواجز و العثرات، ستهطل عليك الأنظار كالوابل، و تترامى عليك الألسن كالأسهم ، يجب أن تبذل ما بوسعك للمواصلة، للمضي قدماً، للتطور، للاندماج مع واقعك الجديد، مافي قصار جهدك للإكمال، سيكثر عليك القيل والقال، سيحسدونك، ويريدون أن يطيحون بك، ستجد أعداءً، حساداً. هذا ما وقع لي: في إحدى الليالي الصيفية، فر النوم من عيناي، نهضت فتوضأت و صليت ركعتان، و جلست أراجع حفظي للقرآن، على حين غرة سمعت صوتاً في الخارج أشبه بصراخ و عويل، وثبت مهرولا إلى النافذة، فتحتها فرأيت رجالاً، بدا لي أنهم أربعة يجرجرون فتاة، فخرجت مسرعاً دون تفكير. خرجت إليهم بشجاعة، فالشارع كان موطني، و الظلام لا يرهبني. دنوت منهم و وقفت، ناديت عنهم:
-" هاي! اتركوا البنت تذهب إلى سبيلها".
فاستداروا كلهم، فتقدم إليَّ أحدهم. ظهر لي أنه زعيمهم، و قال و هو يبتسم بمكر:
-" هكذا إذا أيها اليتيم، لقد وقعت بين أيدينا".
فأمر اثنان منهم أن يضربوني. تقدما و بدا على وجههما التوجس و الخوف. ضربتهما فسقطا أرضاً، زعيمهم أوجس خيفة و رجع إلى الوراء هو و صاحبه. في لحظة! أحسست بنفسي ساقطاً على الأرض مغشياً عليّ، و شعرت بصداع حاداً من وراء رأسي. فجاء زعيمهم إلي، و مسكني من ذقني و قال بتعصب:
-" تذكرتني، أم لا تزال بعد. أنا الولد الذي لقنته ضرباً مبرحاً في صغرك، و أضحكت فيه أطفال الشوارع، تذكرت عندما كنتٓ ملكاً على الشارع، عندما اختلست أنا محفظة تلك المرأة العجوز، مسكتني و ضربتني حتى كنتُ ألقى حَتْفِي من الوجود، و أعطيت المحفظة للسيدة، كي تظهر نبيلاً. تباً لك أيها الوغد، ها أنت وقعت في يدي".
فصفعني و نهض، و قال بلهجة آمرة:
-" نادي أنتَ على الشرطة و ابقى هنا حتى تأتي الشرطة، و أنتِ مزقي قميصك من الصدر و اتركي شعرك ينسدل في تبعثر، و عندما تأتي الشرطة، أخبريهم أنه أراد اغتصابك، و هذا الشخص هو من أنقذك".فأُتهمت باغتصاب فتاةً، في عمر السابعة عشر ربيعاً، ودخلت للسجن وبالاغتصاب تهمة، سجنت لمدة عشر سنوات إجحافاً.
تذكرت هذا الشخص الذي دبر لي هاته المكيدة، ففي ليلة كانت ماطرة، برذاذ الشتاء، كانت تمر امرأة عجوزاً في عمر الستون، فاعترض لها هذا الشخص، لم يعجبني الوضع و المرأة عجوزاً، فذهبت إليه، ضربته ضرباً مبرحاً و أعطيت المحفظة للمرأة. رغم أني كنت أختلس أشياء الناس، لم أعتدِ يوماً على فتاة أو امرأة قط.أنا لا يمكنني فعل ذلك بعد أن هداني الله، و أصبحت أحمل كتابه العظيم في صدري، الله، وهو الشارع يشهدا علي، كم الإختلاسات هي و السرقات فعلت، لكن لم تبلغ بي الدناءة و الدونية هذا المبلغ، أن أعتدي على أعراض الناس، أنا لست وحشاً إلى هاته الدرجة، قالوا لا توجد ناراً بدون الدخان، و العديد من الإدعاءات التي لا طائل من ورائها، الكل أعطاني بالظهر بعد أن وثقت في بعضهم وحسبت نفسي أن لي مكانة في قلوبهم، بعد أن ضحكوا في وجهي، و عاشوا معي معاناتي و أحزاني، لأَنِّي غدوت سهل المراس، طيب الخلق، على الصراط السوي، فعلوا فعلتهم.

أنت تقرأ
اليتيم
Historical Fictionإلى الذي ضيّع السبيل و أخذ لنفسه المشاكل الاجتماعية عذراً. إلى الذي استسلم و وقف في نصف الطريق و لم يقوٓ على المواصلة. إلى الذي اعتصر الألم قوته، و أنزفت المعاناة دم جسده. إلى الذي نصّب من نفسه و وهب حياته فداءً لتحقيق حلمه. إلى...