المخبأ3

207 31 5
                                        

واختبأت مرة ثالثة وأنا مسرور كل السرور بمهارتي، ولكنني لم أكد أنزل في حفرتي حتى سمعت نباحًا شديدًا من كلاب الحراسة، وسمعت أيضًا صوت سيدي يقول: «أوقعه وأمسك به، وانزل معه في الحفرة، وعضه في قوائمه، وجره يا كلبي العزيز، أحسنت وبوركت.»

وما لبث الكلب الخبيث حتى أطاع فيَّ سيده، فإنه نزل إليَّ في الحفرة ثم عض قوائمي وبطني، وكاد يفترسني لو لم أطاوعه في الخروج من الحفرة، ثم بادرت وجريت إلى الزريبة أبحث فيها عن طريق أفتحه لنفسي، ولكن كان صاحب المزرعة يرصدني فضربني بالكرباج وأوقفني حالًا وهو مسلح بكرباج يروِّعني به، واستمر الكلب يعضني وسيدي يزجرني، فندمت على ما كان من كسلي، ثم صرف سيدي كلبه وكفَّ عن الضرب، وربطني من رقبتي وجرني وأنا في غاية الخوف والألم إلى العربة التي كانت تنتظرني.

وعرفت من ذلك أن واحدًا من أولاده كان مكلفًا بالانتظار في الطريق بقرب سور الزريبة، لكي يفتح لي بابًا فيها إذا رآني عائدًا، ولكنه لما أبصرني خارجًا من الحفرة عَرَّف أباه المستبد.

فحقدت عليه ما ظننته خبثًا منه، ولكن الحوادث والتجارب ردتني إلى الحِلْم وجعلتني أعدل في الحكم عليه.

ومن ذلك اليوم أصبحوا قساة عليَّ وأرادوا أن يحبسوني في الزريبة، ولكنني وجدت لنفسي الطريق إذ كنت أقرض بأسناني أطراف السور، ثم أدخل في كل مكان وأخرج من كل ناحية كما أشاء.

فأقسم صاحب المزرعة أن يزجرني ويضربني، وصار حاقدًا عليَّ وصرت أنا أيضًا أشد حقدًا عليه، وشعرت أنني مهين من أجل تلك الخطيئة، ثم قارنت هذه الحياة التعسة بما كنت عليه من السعادة عند هؤلاء السادة، ولكني بدلًا من أن أكون صالحًا صرت أتمادى عندهم في العناد واللؤم؛ ففي ذات يوم دخلت إلى بستان الخضار فأكلت كل ما كان فيه من شجيرات السلطة، وفي يوم آخر ألقيت على الأرض ذلك الولد الذي كان دلَّ عليَّ حين خرجت من الحفرة، وفي مرة أخرى أكلت كل ما كان موضوعًا في إناء القشدة وكانوا يريدون استخراج الزبدة منها، وصرت أرفس الدجاج، وأدوس الأرانب، وأعض الخنازير، وانتهيت إلى أن ربة الدار تضايقت مني كثيرًا، ولم تعد تطيق النظر إليَّ، فطلبت من زوجها أن يبيعني في سوق «مامير»، وكان موعده بعد خمسة عشر يومًا.

ولكني كنت هزيلًا ضامرًا لما نالني من كثرة الضرب، وما عُوقِبت به من سوء الغذاء، ولكي يمكن أن يبيعوني بثمن طيب وضعوني في مكان موافق، وزادوا لي الغذاء الصالح، كما أوصى بذلك رجال المزارع المجاورة، ومنعوا الأطفال ورجال المزرعة من معاملتي معاملة سيئة، وصاروا يقللون شغلي ويكثرون طعامي، فصرت سعيدًا جدًّا في أثناء هذه الخمسة عشر يومًا، ثم أخذني سيدي إلى السوق وباعني بمائة فرنك.

فلما تركته هممت بأن أنتقم منه بأن أعضه في يده، ولكني خفت أن يسيء الظن بي الذين اشتروني، واكتفيت بأنني أعرضت عنه وأدرت له ظهري بحركة احتقار وازدراء.

خواطر حمارقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن