فلما وجدت نفسها قد نجت، وأنها صارت في مأمن من كل خطر، جثت على ركبتيها وصارت تصلي بخشوع تامٍّ شكرًا لله على النجاة من ذلك الخطر الهائل، ثم التفتت إليَّ برقة واعتراف بالجميل أثَّرا في نفسي كل التأثير.
وشربت قليلًا من الماء وأنصتت، وكانت النار لا تزال متقدة، وكنا نسمع صراخًا وأصواتًا مبهمة دون أن نستطيع تمييز الأصوات.
فقالت باولين: مسكين أبي! ومسكينة أمي! فإنهما سيعتقدان أنني هلكت في سبيل تخليص كديشون مخالِفة أمرهما في التوجه إليه والبحث عنه، فالآن يجب انتظار انطفاء النار. ثم قضينا الليل كله في الكهف، وقالت باولين: إنك طيب يا كديشون، فإنني بك وحدك صرت عائشة، ولم تزد على هذا القول. وكانت جالسة على صندوق متكسر، ورأيت أنها نامت، وكان رأسها مستندًا على برميل فارغ. وأحسست أنا بالتعب وكنت عطشان فشربت الماء الذي كان في ذلك الوعاء، وتمددت بجانب الباب ولم يطل عليَّ الوقت حتى أخذني النوم أيضًا.
واستيقظت ساعة الفجر، وكانت باولين لا تزال نائمة، فأيقظتها بتلطف، وذهبت إلى الباب وفتحته، ونظرت فرأيت كل شيء محترقًا، ورأيت كل شيء منطفئًا، وكان من الممكن اجتياز الطريق والوصول إلى خارج المنزل، ولأجل إيقاظ سيدتي العزيزة همهمت «هي! هان!» ففتحت عينيها ورأتني بجانب الباب، فجرت ونظرت فيما حولها، ثم قالت بحزن: كل شيء قد احترق، وكل شيء قد فُقِد، فلست أعود أرى المنزل فإنني سأموت قبل إعادة بنائه، وهذا ما أشعر به فإنني ضعيفة ومريضة مرضًا شديدًا كما تقول أمي عني.
ثم بعد أن استمرت تفكر مدة وهي لا تتحرك نادتني قائلة: تعالَ يا كديشون، ولنخرج الآن، ومن الواجب أن أرى أبي وأمي لأجل أن يطمئنَّا عليَّ فإنهما يظنان أنني مت.
أنت تقرأ
خواطر حمار
Adventureخواطر حمار هذا عنوان غريب في اللغة العربية، ومفاجأة جديدة في الكتب العصرية، ونوع طريف من الحكاية على ألسنة الحيوانات، إذا كان مستحدثًا في هذا العهد فما هو بالجديد في الآداب الشرقية، فقديمًا قرأنا كتاب كليلة ودمنة لابن المقفع، وحديثًا اطَّلعنا على كت...
