الحريقة3

165 29 0
                                        

ومرت بخفة على الحجارة الساقطة والحوائط المتكسرة والكتل التي لا تزال مدخنة، وتبعتها فوصلنا إلى خضرة الحديقة، وهناك صعِدتْ على ظهري واتجهت إلى القرية، ولم يطل علينا الوقت حتى أدركنا المنزل الذي هاجر إليه أهل باولين وهم يظنون أنها احترقت فكانوا لذلك في حزن شديد، فلما أبصروها صاحوا صيحة السرور وأقبلوا عليها فرحين، فَقَصَّتْ عليهم كيف أنني بأي ذكاء وبأي شجاعة عملت على إنقاذها.

وبدلًا من أن يتقدموا إليَّ بشكر، فإن أمها نظرت إليَّ نظرًا شزرًا، أما أبوها فلم ينظر إليَّ أدنى نظر.

وقالت لها أمها: من أجل هذا الحمار كاد يدركك الخطر يا عزيزتي، فلو لم تأخذك حماقة الرغبة في فتح باب الإصطبل لتخليصه لكان توفر علينا الهم الطويل والحزن الشديد في الليلة الماضية التي قاسيناها بحزن أنا وأبوك.

ولكن باولين أسرعت فأجابت: ولكن هو الذي … فبادرتها أمها وقالت: اسكتي، اسكتي، ولا تحدثيني عن هذا الحيوان الذي أبغضه كثيرًا لأنه كاد يسبب لك الموت.

فتنهَّدت باولين ونظرت إليَّ وهي متألمة وسكتت.

ومنذ ذلك اليوم لم أعد أراها، فالاضطراب الذي سببته الحريقة والتعب الذي أصابها في ليلة لم تذقْ فيها طعم الراحة والنوم، وخصوصًا ما أصابها من رطوبة الكهف؛ كل ذلك ضاعف أسباب الألم الذي كانت تشكو منه من زمن، واستولت عليها الحمى منذ الصباح ولم تفارقها، ووضعوها على سرير لم تنزل عنه، وأكمل برد الليلة الماضية الألم والضجر اللذين استوليا عليها، وكانت مريضة بذات الصدر فاشتد عليها المرض ولم تلبث شهرًا حتى ماتت غير آسفة على الحياة ولا خائفة من الموت، وكانت تتحدث عني كثيرًا وتناديني وهي في بُحْرَان الحمى.

ولم يعد أحد يسأل عني ولا يعتني بي، فكنت آكل ما أجد لا ما أشتهي، وأنام في العراء مع شدة البرد والمطر.

ولما رأيت نعش سيدتي العزيزة وهم يخرجون به من المنزل تملَّكني الأسى والحزن، فتركت البلد ولم أعد إليها من ذلك الوقت.

خواطر حمارقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن