ولما رأيت أن كل واحد قد ذهب إلى عمله وأنه لم يعد يراني أحد إذا خرجت من مكمني، رفعت رأسي باحتراس ونظرت فيما حولي، فلما تيقنت أنني وحدي ذهبت وجريت إلى الطرف الآخر من المرج لكيلا يعرف أحد مكان اختفائي، وبدأت أنهق نهيقًا عاليًا بكل قوتي.
وجرى على أثر هذه الضجة سكان المزرعة.
فصاح الراعي: ها هو قد رجع.
فقالت سيدتي: من أين عاد الآن؟
فقال العربجي: من الجهة التي كان غائبًا فيها.
ولفرحي من تخلصي من السوق تقدمت إليهم، فاستقبلوني استقبالًا حسنًا ولاطفوني، وقالوا إنني حمار طيب لأنني تخلصت من أيدي اللصوص الذين كانوا في زعمهم سرقوني، وبالغوا في مدحي حتى خجلت لأنني في الحقيقة كنت أستحق الضرب لا الملاطفة.
وتركوني أرعى في المرج بهدوء وراحة، فأمضيت يومًا سعيدًا لولا ما كان ينغِّصه عليَّ من وخز الضمير بأنني أتعبت في ذلك اليوم سيدتي.
ولما عاد صاحب المزرعة وأخبروه بعودتي ارتاح واطمأن ولكنه كان في ريب مني، وفي اليوم التالي طاف حول المرج وتفقد بكل عناية الفتحات في جوانب الزريبة، وحين انتهى قال: إن هذا الحمار يكون نحيفًا جدًّا إذا استطاع أن يخرج من بين فتحات الحيطان، فإنني سددت كل فتحة بالحطب والقش حتى إنه صار من المتعذر أن تمر من تلك الفتحات قطة.
ومضى الأسبوع وهم لا يفتكرون فيما كان من غيابي يوم السوق، ولكنني في يوم السوق التالي عدت إلى تمثيل ذلك الدور الماكر، واختبأت في تلك الحفرة متعبًا كثيرًا وخائفًا جدًّا.
وبحثوا عني كما بحثوا في المرة الأولى ودُهِشوا، وظنوا أن لصًّا ماهرًا سرقني وجعلني أخترق سياج الزريبة.
وقال سيدي صاحب المزرعة بلهجة حزن وأسف: إن حمارنا اختفى هذه المرة نهائيًّا، ولا أظنه يستطيع النجاة مرة ثانية، إذ لا يمكن أن يعود من فتحات السور لأنني سددتها كلها سدًّا محكمًا.
وذهب إلى السوق في هذه المرة متنهدًا، وناب عني أيضًا في جر العربة واحد من خيوله.
وكما فعلت في المرة الأولى خرجت من الحفرة حين ذهب كل من كان قريبًا مني، ووجدت من حسن الرأي في هذه المرة ألا أعلن عن عودتي بالنهيق «هي هان!» كما فعلت في المرة الأولى.
ولما رأوني آكل البرسيم بهدوء واطمئنان في المرج، وحين علم سيدي أنني رجعت بعد ذهابه إلى السوق بغير تأخير؛ صرت أراهم يشكون في أمري، ولم أجدهم يلاطفونني كما فعلوا في المرة الأولى، وكانوا ينظرون إليَّ نظر الارتياب، ولاحظت جيدًا أنني أصبحت مراقبًا بحالة لم تكن من قبل، فاستهزأت بهم وقلت في نفسي: «أيها الأصحاب الأعزاء، لأنتم أشد مكرًا مني إذا أمكنكم أن تكتشفوا محل اختفائي، ولكنني سأريكم أنني أشد مكرًا وحيلة، وسأعود إلى الضحك عليكم ثانيًا وأستمر عليه دائمًا.»
أنت تقرأ
خواطر حمار
Adventureخواطر حمار هذا عنوان غريب في اللغة العربية، ومفاجأة جديدة في الكتب العصرية، ونوع طريف من الحكاية على ألسنة الحيوانات، إذا كان مستحدثًا في هذا العهد فما هو بالجديد في الآداب الشرقية، فقديمًا قرأنا كتاب كليلة ودمنة لابن المقفع، وحديثًا اطَّلعنا على كت...
