|بوح|

81 27 25
                                        

نوح

«أنتِ الأمان
أنتِ الحنان
من تحت قدميك لنا الجنان
عندما تضحكين
تضحك الحياة
تزهر الآمال في طريقنا
نحس بالأمان
أمي
أم-»

أخذتُ الهاتف من يد موسى مغلقًا إياه ومقتطعًا بذلك الأغنية السادسة التي تصادفه عن عيد الأم.

«نوح اتركها! هذه الأغنية أحبها!»

حاول أن يأخذ الهاتف من يدي، والذي أخفيته وراء ظهري وأخذت أنقله من يدي اليمنى إلى اليسرى ومرفعًا إياه عاليًا حتى لا تصل يده إليه.

«ولو! قلتُ لن نندمج مع الغرب بأيٍ من طقوسهم!»

كنّا عائدين إلى غرفتنا بعد أن أنهينا وجبة الغداء، يبدو أن موسى قد فقد الأمل في إستعادة هاتفه وإكمال الأغنية، أو أنه ينتظر حتى أنشغل ليقوم بسحب الهاتف، ولكن هذا بعينه.

«منذ متى وأنت مهتمٌ بمثل هذه الأشياء نوح؟ هذا شيء مفرح بالطبع، ولكن ما الذي جد؟»

سأل أنس الذي كان على بعد خطوات منّا، ارتبكت.

قبل أن يظهر علي ارتباكي انقذني عمير بقوله جاذبًا إنتباهنا:

«لأن عيد الأم ليس مثل باقي الأشياء، ليس مثل سماع المسيقى أو أعياد الميلاد حيث نحتاج إلى أدلة لنبتعد عنها، أما عيد الأم فمن العجيب أن غير المسلمين لم يلحظوا ذلك.. كيف لنا أن نبتكر عيدًا يفرّح البعض ويحزن البعض الآخر أشد الحزن؟ لمَ يبدأ شخص يومه بإمساكه لهاتفه كما اعتاد فيجد كل من يعرفهم يحتفلون بأمهاتهم ويشكرون الله على وجودهم على العلن، ويصادف أن هذا الشخص يتيم الأم، لما نجدد له شعوره بالنقص؟ بل نضاعفه له بتعبيرنا عن حبنا الجارف لأمهاتنا وأثرهم في حياتنا.

والدليل القاطع هنا أننا كمسلمين ليس لدينا غير عيدان، عيد الفطر وعيد الأضحى فحسب»

كانوا قد توقفوا عن السير منذ قليل ووقفوا قبالته، أنهى حديثه ثم التفت لحقيبته كأنه يبحث بها عن شيء، مخفيًا بذلك دمعة هربت من مقلتيه لم يراها سواي لوقوفي بجانبه.

«ياه عمير.. وأخيرًا سمعت لك كلام جديّ مرة قبل موتي!»

ابتسم عمير نصف ابتسامة لمزحة أنس، وشرد موسى بذهنه متأثرًا بالحديث.

أدمعت عيناي، لعلمي بما وراء هذا الحديث، لاحظ عمير هذا وابتسم لي مواسيًا.

يقوم بمواساتي لحزني على حزنه؟

«تكمن عظمة الإسلام في عدم تشريع مثل هذه الأعياد.»

قالها موسى ولم يكن قد أفاق من شروده بعد.

«حسنًا يا رفاق، يكفي هذا القدر من إهدار الوقت، لدينا تلال من الفيزياء بالداخل منتظرة عودتنا.»

بعد جملة عمير التي عاد بها إلى عمير المعتاد لنا، بالطبع كان يداري الشعور الذي حل به فقط، دخلنا إلى الغرفة وأخذ كلًا منا مكانه على سريره وشرع بالدراسة، أخذ أنس يدرس بثبات إنفعالي يثير دهشتي ككل مرة، بينما أخذ موسى يلقي بالكتاب إلى آخر الغرفة مع كل إجابة خاطئة لديه، ثم يقوم بجلبه ليعيد فعلته مرة أخرى وأخرى، وظل عمير يلقي بالنكات على كل سؤال يقع بين يده مشتتًا بذلك تركيز أنس وتعصيب موسى، والأهم من ذلك، مشتتًا نفسه عن حزنه الذي عمّقه بيده.

مرسىقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن