خطواته الراقصة على المسرح برشاقة وصوته الذهبي يصدح كطائر مغرد يسحر كل قلب, عينيه سرحت لسحابة الشعر الحريري بلون الكستناء فسلبت أنفاسه وعلت ظنونه أنها هي فقط من تملك هذه الهبة, عينيه تتبعان الجسد الرشيق المتحرك بين الموائد, لأول مرة ينتابه هذا الشعور الغير واثق بأي مما يملكه أو ما حققه, كله بدا فارغ بغير قيمة, بدأ صوته بالتراخي بل بالإختفاء وجل قلبه, هل فقد صوته حقاً؟؟ وجد أنه سيفقد كل شيء فانحنى فجأة ليحيي جمهوره المتمسك به بشده يتقافز وينادي باسمه "أفيندار ستيرك" ليبقى معهم مطربا إياهم بعذب صوته, يتراقصون على النغمات.
لوح كفه في الهواء بإعتذار لهم وانحنى مرة أخرى وخرج من المسرح, وهو يشير للفرقة أن تكمل حتى يعود... يعلم أن لابد له من العودة, خرج داخل كواليس المسرح وتجمد بشكل لا يدل على أنه كائن حي سوى أزيز أنفاسه المحترقة, يخشى الدخول لغرفته... هل يعود الماضي بذات الترتيب؟؟ وضع كفه على قلبه يثبته مكانه مانعاً اياه ألا يقفز خارج إطار حصن قفصه العظمي, يد رجولية ربتت على كتفه جعلت جسده ينتفض بقوة, نظر لمساعده الشخصي وصديقه الوحيد برحلة بناء المستقبل, زوغان عينيه الداكنة التي لا ترى ما أمامه جعلت القلق ينهش قلب صديقه, فهمس بهدوء يناقض الرعب الذي دب بأوصاله خشية أن يكون التقط ميكروبا لعدوى مرضية: أفيندار... ما بك؟؟
اتبع سؤاله بأن مد كفه بمنديل ورقي يزيل سيلان خطوط العرق الثقيل المزين لجبين المطرب الشاحب, بدا كمن رأى شبحا أو رأى الشيطان ذاته, هزة أقوى ندت من كف مزكين الأخوية على ذات الكتف الساقط بقلة حيلة: ما بك؟؟ تبدو كمن وجد شبح جنية الأسنان!!
لم تجد كلمته المازحة صدى, فقط رفع بصره يكاد يرى ملامح صديقه وهمسته القادمة من قلب بئر الماضي: مزكين... كانت هنا!!
اقترب مزكين وقد عقد حاجبيه بجديه ووضع شفته السفلى بين سنابك أسنانه الطاحنة بقلق, ثم أفرج عن استفساره: من تقصد؟؟
همس بضياع متعثر بأحرف اسمها كمن يخشى إطلاقه: جينـ... جينـ... دا!!
انفرجت أسارير مزكين واسترخت عضلات وجهه, طالما ليس مريضاً فكل شيء يظل أقل خطورة: ما لنا والماضي الآن أفيندار؟؟ إنك تهدم كل ما بنيته!!
تنهد أفيندار وتجمدت ملامحه مما جعل مزكين يردف: أنت لا تحبها وإلا ما كنت طردتها ككلب ضال أجرب كان يتمسح بملابسك!
دفع أفيندار صدر صديقه بكفه مجبراً قامته لتنتصب بصلابة خانعة, ونظر تجاه المسرح بهمسة أشد شحوباً من شحوب بشرته: لا أحبها... بل لا يمكن أن أحبها... لا أستطيع أن أحبها!!
نبرة اليأس التي أغرقت كلمات المطرب المتجه بشروده لداخل المسرح هالت مزكين الذي راقب صديقه, وهو يشد جسده ويرسم تلك الإبتسامة السعيدة على قسماته ليستعد ليلقي بروحه الجريحة داخل يمّ العمل المتلاطم, لهما خمسة أعوام لم ينالا إجازة أو حتى راحة... ليس لهما من حياة سوى العمل والعمل فقط!! وداخله تواترت أفكار كلها تدور حول ما أدركه "إن كان يعشقها لِمَ يضع الحواجز بينهما هكذا؟؟"

أنت تقرأ
قدري أحبك [سلسلة لا تعشقي أسمراً]
Romansaقدري أحبك الحلقة رقم 1 من سلسلة لا تعشقي اسمراً الملخص الحب كما قالوا أقدار.. فهل قدرها ان تهيم به حتى وان نبذها ..انكرها ..هل كتب عليها حبه كقدر لا مناص منه .. رغم ان ورقة حظ ثائرة بين اناملها صرخت بها محذرة "لا تعشقي أسمراً"فلم تنل سوى سخريتها...