لابد أنها كانت غافية حين كان رأسها متدلياً كرأس دمية مكسورة ، إذ إن صوته الذي فاجأها من حيث لا تعلم ، جعلها تقفز مذعورة مما أصاب عنقها بالتواء مؤلم .سألها بنبرة فيها من اللوم ما جعل قلبها يهبط " هل أنت من أحضر سيث لوغان "
أجابت محاولة النهوض من كرسيها " أجل جئت معه في سيارة الإسعاف .كيف حاله "
لم يجب إذ كان مشغولاً بتفحص شكلها .ولم تكن نظراته أقل من صوته سخرية من مظهرها .جذبت أطراف ثوبها الفضي حولها رغم علمها بأنه يرتفع حوالي الأربعة سنتمترات فوق ركبتها .وأنه لا يتناسب مع هذا الموقف الخطير .وكان جوربها الحريري ممزقاً ، وقد أدركت أن هذا قد حدث جلوسها على الأرض ووضع رأس سيث في حضنها بعد حادث الاصطدام وكانت عصابة رأسها قد انزلقت قليلاً بعد ساعات الليل الطويلة التي أمضتها حيث كان منظرها يبدو غير مألوف في غرفة الانتظار في المستشفى .
جاهدت للوقوف على قدميها وهي تنظر إليه متفحصة .كان يزيدها طولاً بقدم على الأقل مما يجعل طوله يتجاوز الستة أقدام .وكان لون بشرته يتوهج بسمرته التي اكتسبها من المناطق الاستوائية حيث كان هناك ، بعكس بشرتها البيضاء الناصعة .وكان شعره الأسود لامعاً، أما ذقنه التي لم تحلق منذ أمس ، فقد كانت تدل على شخصية عنيدة مسيطرة وكان الاستياء بادياً على فمه الجميل .
أشاحت ميلودي بوجهها بعيداً .ما الذي تفعله ؟ وكيف تسمح لنفسها بأن تسترسل في مثل هذه التصورات بينما ثمة رجل يموت في الغرفة الأخرى بسببها .
عادت تسأله " كيف حاله ؟ " وأخذت تعبث بعصبية ،بعقد الخرز الطويل المتدلي على مقدمة ثوبها الفضي.
رفع يده ليزيح خصلات شعره إلى الخلف محركاً كتفيه وكأنه يريحهما بعد انحناء على طاولة العمليات فوق ذلك الرجل الذي دهسته سيارة الليموزين .
لاحظت يديه الجميلتين بأصابعهما الطويلة ذات الأظفار البيضاء المقصوصة ومهما تكن أخبار الجريح فلا بد أنه قام بكل ما في وسعه ، فهو لم يكن برجل الذي يستسلم بسهولة ، وكذلك أولئك الذين كانوا يعملون معه دون شك .
أما سيث لوغان فقد كان ما يزال حياً .
قال ببرود " سينقلونه من غرفة الإنعاش في خلال ساعة . "
تنفست بارتياح قائلة " أذن سيشفى ؟ "
أجاب " إن ساقه مصابة بكسور مضاعفة وحالتها سيئة ،ولكنه إذا لقي العناية المناسبة فسيتمكن من السير عليها مرة أخرى ، هذا إذا لم يصب بالتهاب رئوي أو جلطة رئوية في الأيام القليلة القادمة . "
ارتجفت ميلودي لكلماته المتشائمة هذه وعادت تسأله " وإذا حدث له ذلك "
أجاب " قد يموت حين ذلك "
شهقت بألم قائلة " أوه لا .. "
شملها للمرة الثانية بنظرة باردة من عينيه الزرقاوين ثم قال " حسناً يا آنسه وورث إن الناظر إليك يكاد يقتنع انك تهتمين بذلك حقاً "
أجفلت من النبرة الجافة غير الودية في صوته قد يكون طبيباً ممتازاً وبالغ الوسامة ولكن إذ كان سلوكه نحوها يمثل ناحية أخرى من شخصيته فهذا يعني أن شخصيته مازالت في حاجة إلى الكثير لتكتمل .
قالت محتجة "إنني أهتم بذلك طبعاً .أهتم كثيراً . متى أستطيع رؤيته؟ "
قال وهو مازال يوجه إليها نظرته اللاذعة "ذلك ليس من رأيي أبداً " ثم مد إصبعه تحت خيط العقد المتدلي على صدرها وأخذ يلف العقد عليه ، ما جعلها تقترب منه إلى أن كادت تلتصق به وهو يقول : " إن آخر ما هو في حاجة إليه هو زيارةً من شخص مثلك "
دفعها التعب والقلق إلى أن ترد عليه بحدة " إن الرأي في هذا الأمر ، يعود إلى السيد لوغان"
أجاب مبتسماً ببرود " تماماً . ولكن السيد لوغان قد قرر طردك ."
" سأنتظر إلى أن أسمع هذا منه ، إن لم يكن لديك مانع ."
قال تاركاً العقد المتدلي واستدار لينصرف : " أنك في الانتظار على كل حال . " سمعت وقع خطوات خارج الغرفة ،توقفت عند الباب وما لبث أن سمعت صوت الطبيب المقيم الذي كان في استقبال عربة الإسعاف ساعة دخولها المستشفى ، يقول " أرى إنكما تعارفتما ." ثم أبتسم مشيراً إلى جراح يقف بجانبه : " أقدم إليك الدكتور فيلويس الذي أجرى العملية للسيد لوغان يا آنسة وورث وأظنك تريدين التحدث إليه مادمت كنت بمثل ذلك الحزن عندما أحضر الجريح إلى هنا ."
نظرت ميلودي إلى الجراح الذي كان يرتدي ثوب العمل الأخضر الذي يغطي جسمه كله ، وهو يبتسم لها مطمئناً وقد بان الإرهاق في عينيه .أذن من كان الرجل الآخر ذو النظرات العدائية الذي كان يوجه إليها الإدانة قبل دقائق ؟ واستدارت إليه تواجهه قائلة : " لم جعلتني أعتقد انك الطبيب المناوب ."
" أنا لم أفعل .أنت التي استنتجت ذلك ."
"أذن من أنت ، وبأي حق تخبرني أن أبقى بعيدةً عن السيد لوغان ."
أجاب " إنني جايمس لوغان أقرب الناس إليه ، مما يعطيني كل الحق في ذلك ، يا آنسة وورث ."
وتابع موجهاً حديثه إلى الطبيبين الواقفين " حيث أنني أعلمتها بحالة أبي أيها السيادة ،لا أظنكما بحاجة إلى إضاعة الوقت في تكرار ما سبق وأخبرتها به حيث أنها غريبة لا علاقة لها بالأمر سوى أنها شهدت الحادث ."
قال الجراح بلطف " لكنها بالرغم أنها غريبة، تشعر بالقلق العميق لحالته وربما تريد أن تسأل عن ذلك أليس كذلك يا آنسة وورث "
ترددت وهي ترى وجه جايمس لوغان العابس ، وتمنت لو كانت أكثر سيطرة على الموقف بدلاً من أن تشعر وكأنها مذنب أمام قاضي لا يرحم وقالت متلعثمة : " هل ..هل أستطيع رؤيته ؟ "
أجاب الجراح :" ليس هذه الليلة يا آنسة وورث ،إذ هو الآن شبه غائب عن الوعي فلا يستطيع تمييزك تعالي غداً بعد الظهر حيث يمكنه حينذاك أن يشعر بالسرور بمنظر شابة جميلة ."
دفعت ابتسامة الجراح العطوف، الدموع إلى عينيها وازدردت ريقها قائلة : " شكراً ، يا دكتور إنك في منتهى اللطف ."
ما أن خرج الطبيبان ، حتى قال لها جايمس لوغان :" لقد طلبت منك عدم البقاء هنا .عودي لحفلتك التنكرية تلك ، وكفى ادعاءً باهتمامك بحياة أبي أو موته."
تحولت ميلودي وقد شعرت بالإرهاق إلى أقرب كرسي فتهالكت عليه وهي تقول : " لقد انتهت الحفلة منذ أربع ساعات ." ونزعت العصابة من حول رأسها وهي تتابع : "حتى ولو لم تكن قد انتهت فليس في استطاعتي العودة إليها ."
وقف أمامها وأطفأ النور فوق رأسيهما ولكنها ما زالت تراه من خلال زجاج النافذة المبلل بالمطر بجانبها .وكان يبدو مثالاً للسخط والتذمر لم تتصور له مثيلاً .
تمتمت تحدث نفسها : " لم يكن من المفترض أن تنتهي بهذا الشكل . "
ابتسم لها بكره وقال : " هذا واضح .كيف حدث وارتكب أبي هذا الخطأ ، إذ تسبب في بعث الكآبة في تلك الحفلة طيلة المساء إنك ، دون شك خططت لتكوني نجمة الحفلة وذلك بأن تنشري ذكاءك وسحرك على جموع المعجبين بك ."
قالت معترضة : " كلا ليس الأمر كذلك ."
في الواقع كانت توقعت أن ترقص " الشارلستون " كما سبق وأخبرت روجر صاحب المتجر القريب منها ، ويستمر الضحك والموسيقى حتى ساعة متأخرة .ولكن رغبتها في أن ترى نجاح الحفلة الراقصة ، تحول إلى شيء أكثر عمقاً من ذلك العبث ، حسب قول جايمس لوغان ، وكانت نهاية كل تلك البهجة والإشراق ، في منتهى الخطورة وكان المهم في ذلك حقاً ، هو جمع مبلغ كاف من المال في سبيل تحويل الحلم إلى حقيقة .
كانت ميلودي تعشق الحياة ولم لا ؟ فهي لم تذق طعم الحاجة والفقر ،ولا فراق المحبين .كان يؤلمها أن ترى مظاهر اليأس في أعين المحيطين بها ممن كانوا أقل حظا منها في هذه الحياة وكانت تشعر بالذنب إذ ترى نفسها ثرية بينما هم فقراء .وهكذا أصبحت فكرة إنشاء مركز للعاطلين عن العمل يحوي مطعماً يقدم الحساء والقليل من المعونة لأولئك المتشردين دون هدف، هاجساً هو أقوى بكثير من أن يكون مجرد طموح .
ما الذي حققته بالنسبة لهذا الحلم ؟ لقد انتهى واحد من أولئك الذين كانت تأمل في أن تساعدهم ، انتهى في المستشفى في حالة أسوأ بكثير مما كان عليه .
عادت تقول بصوت متهدج " كلا ..إن كوني نجمة الحفلة ليس بذي أهمية على الإطلاق ."
قال محذراً : " قبل أن تنفجري بالبكاء ، يجب أن تعلمي أن عندي مناعة ضد دموع النساء لأي سبب كان ."
أنت تقرأ
513 - كوني لي سيدتي - كاترين سبنسر ( قلوب عبير ) دار النحاس ( كاملة )
Ngẫu nhiênالملخص كانت ميلودي وورث لطيفة ومهذبة . وقد شاء قدرها أن تولد ثرية وهذا حتى الآن لم يكن يبدو لها مشكلة ،ثم ظهر جايمس لوغان في حياتها ليطلب منها أن تتوقف عن مساعدة الناس الذين لا يريدون إحسانها كيف يجرؤ على ذلك ؟حسناً ، عليها أن تتحمل رؤية الابن لأن...