الفصل الثالث|داء الموت

39 1 0
                                    

مُنذ أول يوم لي على هذه الأرض، و مازلت أسمع عن الموت، توفى فلان، توفى علَّان  و أنا أعلم أنه شئ ليس بمطمئن، لكني كنت دائماً أقول أني مازلت صغير على الموت و الآن دور الأجداد ليموتوا، كان هذا إعتقادي.

الحمد لله أني مازلت صغير على الموت، لم أكن أفهم غير ذلك عن الموت، تعلمت في المدرسة أن الموت لا بد من أن يلحق بأحدنا لا محالة، و تعلمت أيضاً ان بعد الموت حياه.

أي أننا الآن في دار الدنيا و بعد الموت، تأتي الدار الآخرة حيث يحاسب كل إنسان على ما فعله من خير أو شر.

كل هذا اراه مألوفاً و لكن كل ما مضي شئ، و الآت شئ آخر.

ما سأقوله الآن على لسان والدي، قيل لي انه ذات يوم من الأيام، وَرِث جدي مبلغ كبير للغاية.

فقرر أن يحتفل بميراثه، فذهب ذات ليلة مع زوجته إلى أحد المطاعم الفاخرة وقتها، فتناولوا كل ما تشتهيه البطون،

و أكثروا من هذا و ذاك، و ما إن فرغوا من هذا العشاء فبدأوا بتناول الحلوى و الشوكولاتة و ما إلى ذلك. ثم عادوا إلي البيت و فجأة سقط جدى مغشياً عليه و يبدو أنه ليس بخير.

فأتصلت جدتي بالإسعاف.

و لكن، تحاول جدتي أن تساعده بجميع الوسائل الممكنة.

إلى أن وصلت سيارة الإسعاف، و بعد ذلك تمت إفاقته و لكن لَزِم إحضاره الى المستشفى.

يمر الوقت و القلق يتدفق في عروق جدتي، تسير يميناً و يساراً، تدمع عينها قليلاً ثم ترقأ.

تتلو سورة الفاتحة و ترفع يدها للدعاء و التوسل.

فجائها هذا الخبر الذي جعلها تتضرب.

أتى الطبيب قائلا:أبشري يا سيدتي، فإن زوجك صار بصحة جيدة، و لكن لاحظنا أنه قد أُصيب بداء السُّكَّري مما جعله يفقد وعيه بهذا الشكل.

أتت جدتي ترمي قلبها في حضن زوجها تبكي.

فقال جدي:لما البكاء أنا بخير؟!

فقالت: ألا تعلم إصابتك بالمرض؟

فقال: بلا، إني أعلم، و لكن أنا لست أول إنسان يصاب بهذا المرض، أعرف أن لا علاج له و لكن ما العمل

"لا تبكي على اللبن المسكوب".

هذه كانت بداية هذا الداء في العائلة، و لكن، للأسف بعدما وُلِدَ أبي و عمي و خالتي، وَرِث والدي الداء من والده(جدي) و ظل هذا المرض يتسلل إلي أن وطئت قدمه جسد أخي يوسف.

لكن، لم يكن أحد من الأسرة ينظر إلي هذا المرض بجدية.

حيث أن العائلة من أمي و أبي كانوا يرونه شيئاً تقليدياً كأنه مثل الأنفلونزا، حتي جاء هذا التاريخ.

في يوم الأربعاء 10/8/2011 كان يعاني أخي بالدوار الشديد و كان يقول لنا هذا و لكن كنا نقول له بأن ينام قليلاً ليستريح فقال لنا لا أعتقد أن النوم هو السبب، لأنني لم أبذل أي مجهود هذا اليوم و لقد نمت جيدا ليلة أمس.

لكننا لم نهتم كثيراً فأعطى والدي دواءاً لأخي كمُسَكِّن.

و قبل ميعاد النوم بساعة.

سقط أخي أمام عيني سقطة قوية، و يال الفزع الذي ضربني على رأسي فأسرعت إلي والدي لأقول له و من ثم أمي.

فأتوا جميعاً و قاموا بإفاقته، فأعطوه كوباً من الماء و السكر.

فتح يوسف عينه ببطء ثم إبتسم و قال:ماذا حدث؟

قلنا له أنه قد أصيب بإغمائة سكر.

و نمنا و من ثم أتى الصباح، و استيقظنا على الساعة التاسعة من صباح يوم الخميس، و تناولنا إفطارنا.

و فاجأنا يوسف بقوله أنه لا يشعر بخير، و بدأ يصفر وجهه و تنخفض درجة حرارة جسده.

فأخذناه إلى طبيب العائلة ليكشف عليه، فوجد أن مستوى السكر منخفض في الدم يجب أن يأكل الكثير من النشويات و السكرات  و أخذ بعض الأدوية اللازمة.

عدنا الي المنزل و كانت الساعة حوالي الثانية ظهراً.

أحضرنا هذه العقاقير و تناولها أخي.

و بعد ساعتين قال أخي انه يشعر بتحسن كبير كما لو أنه شُفي من داء السكري.

فاستكملنا اليوم إلي أن أتي خيط الظلام، و سمعنا صوت أذان المغرب ليطربنا، و بدأنا نتوضا، و إذا بصيحة كبيرة من أمي تقول:

النجدة النجدة، يوسف لا يجيب علي، يوسف لا يجيب علي.

صلينا المغرب و اتت سيارة الإسعاف و أخذت هذا المسكين الي المستشفي.

و بعد ذللك قال الطبيب لنا: للأسف حالة الطفل في خطر، فقد أصابه إنخفاص حاد في نسبة السكر بالدم و يلزم بقائه بالمستشفي إلي أن يعوض هذا الأنخفاض.

فقالت أمي:هل من الممكن أن أري إبني؟

فوافق الطبيب، و دخلنا الغرفة، و لكن كانت عيني ترتجف خوفاً من منظر أخي المفزع، حيث كانت العديد من الأجهزة متصلة به و الكثير من المحاليل بيده، بل و كان وجه أخي كان مختلفاً، كان مصفراً و شاحباً هزيلاً، فقدت شبابها.

بعدما جائت الساعة الثامنة و الثلث مساءاً فتح هذا المسكين عينة و تبسم و قال: أريد كوب ماء.

فأتينا له بكوب الماء، و شرب القليل القليل من هذه الماء و وضع هذا الكوب بجانبه و قال: أنا سعيد الآن من تجمعكم حولي.

فأغمض أخي عينه ببطء و ابتسم.

بعد قليل أتي الطبيب و بدأ يلاحظ مؤشرات الأجهزة المتصلة بهذا الأخ المسكين و نظر إلينا بنظرة غير مطمئنة و بعد دقائق، قرر والدي أن يأخذنا إلي خارج الغرفة لنترك يوسف ليستريح، و لكني لم اكن اود أن أخرج من هذه الغرفة.

و لكن خرجت منها.

و أثناء ما كنا نخطو خطواتنا خارج الغرفة، صدر صوت صفير جعل من أمي تصرخ و من عين أبي تساقطت الدموع.

و بعدها بثوانٍ علمت أن هذه النفس الطاهرة قد صعدت إلي الرفيق الأعلي، فدخلت الغرفة و وجدت وجه أخي تملأه الإبتسامة، و قبلت أمي وجهه و أمسك والدي الغطاء و غطى به هذا الوجه السعيد، و أنا أبكي بداخلي و صوت أنين يخرج من صدري.

و صار هذا اليوم كابوس لي إلى الآن.

سيادة القاضىحيث تعيش القصص. اكتشف الآن