٦_إِنهِيارٌ: الأَشقَرُ.

198 24 3
                                    


مَرّت الدَّقائق وهو لازالَ مُتيبِّسا مَكانَهُ، ثم على حين غَفلةٍ سِيقانُه ارتجفَت حِين غَلبهُ الغَضب، وكفُّه السَّليمة أخدت ترتَعِد مُفلِتةً كيسَ مُقتنياتِه.

ولم يشعُر بذاتِه وهو يندفِعُ خَلفهُ صاكًّا على أسنانِهِ لاحِقا ببنية الصّبيَّة الّتي تعلَّقت بذارِع رفِيقها، لم يأبَه لملامِحها المُرهقة الّتي ميّزها رغم المسَافة بينهُما، ولا لمِشيتها المائلةِ بخذَلان، لم يهتم للمعة الإنكسارِ داخِل عينيها بقدر ما آبه لطمسِ ملامِحِ وجهها التي تنخُر رأسَهُ.

بينمَا هِي ورغمَ أنّ الوُجوم باتَ يُغادِرها بفضلِ خَليلِها، لكنّ أمورا كَثيرةً لازالت تنخُرُ عُمقَ هواجِسِها، كجَريحٍ ألَفَ جلذاتِ السُّوط فضلَّ الطَّرِيق حينَ تخدّرت مَفاصِله من الألم، وهي كانتْ قد ضلّت الطَّريقَ عن لَمحِ الأمل ولو مِن مسافةٍ بعيدة.

"لم تُخبريني مَا قصّة حَملِكِ..."

"همم سأُخبِركَ حين ألمُّ شتَاتِي. إشتهيتُ بعض المُثلّجات، هلا جلبتَ لي البَعض؟"

"شهيَّتُك هذه رغمَ إكتآبِكِ تُخيفُني، توشِكين على أكلِي شخصيّا، كَما أنّني لن أنسَى ما افتعلتِهِ بسترَتِي المِسكينَة"

بعدَ رَحِيلِهِ اختلت هي بذاتِها، تُعانِقُ جسدها بذراعيها حِين شعَرت ببعضِ الدِّفئِ يَعمّ جسدَها.
لَا تُنكِرُ أنّها مُرتاحَةٌ لضهورِه في وقتٍ تميّز عن باقِي الأوقات بقسوَته، فكانَ كالممحاة يمسَحُ أثارَ الزّمان وشقَائه من فوقِ مآثر جَوارِحها.

عَلى حِينِ غرّة شعرَت بكفٍّ تلتقِفُ ذراعها بقسوة تجرُّها باهتياجٍ إلى شارِعٍ أكثر سكونًا، سكُونٌ أرغَمَها على سَمعِ ضجيج دواخِلها حين تدارَكَت هُوِّية البَربرِي الذي انتشلها من عُمق راحتِها إلى عَرينِهِ حَيثُ سيفتَرِسُها.

أفلتَها للحضَات ولازالَ ضَهرُهُ يولِيها، بينما هِي قد شَعرَت بالقَلَقِ حِين لمحت اهتياجَ أنفاسِه، وذلك ذكَّرها دون شكٍّ بنوبَتِهِ التِي شَهدتْها وكانت طَرفا فيها البَارِحة.

كَانت الجَّبيرة لازالتُ تلتفُّ حولَ ذِراعِه الأيسَر، بينما خَصلاته الغُرابية كانت قد تخلَّصت من الشَّاشِ الطِّبّي وأنامِلُه غُرست عُمق خصلاتِه الفحميّة وكأنّه يحاوِل مُحاولة فاشِلة في تهدئة نفسِه.

التفت نحوها على حِين غرَّةٍ يُبحلِقُ بخِلقَتِها، والفراغُ لازَالَ يحتلُّ عينَاهُ، أمّا الصَّبيّة فقد ارتعدَت أطرافُها بشدوهِ تُحملِقُ بالفراغِ بصدمَة حين دَفَعها بكفِّه السَّليمة بقُوَّةٍ على الجِذار فانتَشَرَت شَرارتُ مُوخِظةٌ على طولِ جذعِها.

نُطفةٌ مِن أُخرَىحيث تعيش القصص. اكتشف الآن