. . . [و]-1- . . .
[طويل]
فيضحي ويمسي الدهر في غمراته فما
ير [تجي] غير العذاب او الهلك
قالت العجوز : فلما فرغت الجارية من غنائها قال لها الحاجب : إن قلبك لقاس على محبوبك يا كاعب.
قالت : أجل وحياتك يا مولاي ، ثم نظر إلي الحاجب وقال لي : يا أختاه أليست هذه الجارية مليحة؟
قلت : بلى أصلح الله سيدي الحاجب.
ثم نادى يا لاعب ، فأقبلت جارية أخرى كما بدا (نهداها) -2- في صدرها كهيئة تفاحتين من در على صحن مرمر ، بيضاء شقراء ، ونظرت إلى ساقيها فإذا فيهما خلخالان من ذهب قد رصعا بالجوهر النفيس ، إذا مشت سلب مشيها العقول على صغر سنها مع الملاحة والتدلل والبزاعة -3- ، وقالت : لبيك يا مولاي وسيدي.
فقال لها : صيحي برياض.
قالت العجوز : فقلت في نفسي الله أكبر ، ثم قلت رياض في الوصائف كثير ، فلما ذهبت لاعب بين يدي الحاجب وانفتلت خلتها قد انقطعت من نصفها لثقل ردفها وقيام صدرها ورقة خصرها ، مع الرشاقة وخفة الصبا ، فرآني الحاجب أنظر إليها ، فقال لي : أمليحة هي بحقي عليك؟
فقلت له : إذا لم تكن هذه مليحة فأين الملاحة و (الجمال) -4-؟
فبينما نحن كذلك نتحدث إذ أقبلت جارية وعن يمينها أربع وصائف وعن يسارها كذلك ، وهي في منظر من الحسن لا يصفه الواصفون ولا يدركوا بعض كنهه ، وهي تتبختر في مشيها وتنعطف كالخيزران اللدن في تثنيه ولينه في صمت وتيه [2ر].
وقام وقعد حتى ندمت على ما أخبرته وظننت أنه قد جن فلم أكلمه حتى (هدأ) -5- ثم قال لي ما ذلك؟
فقلت له : وماذا تريد أكثر من هذا ، أخبرتك باليسير فبهت واضطربت وقمت وقعدت ، فلو رأيت أكثر ما كنت تفعل ، إني والله ﻷراك ضعيف العقل ، والدليل على ضعف عقلك أنك عشقت في دار الحاجب وقد علمت قدره وسلطانه وعظيم شأنه وحبه لرياض ومكانها منه ، فكيف وأنت غريب وعلى غير شكل (أهل) -6- البلد ، وهذا من القياس البعيد.
قالت العجوز : فلما سمع ذلك مني سقط على اﻷرض على جبينه وسالت دماؤه على وجهه ، فلما رأيته على تلك الحال قلت في نفسي : إن هذا لذنب عظيم (جنيته) -7- على نفسي ، أطمعت هذا الغريب المسكين ثم قطعت به ، ليتني لم أطمعه بشيء. فكان ذلك حيناً ثم رفع رأسه ودمه يسيل من الجرح ، فلما رأيته كذلك أشفقت لحاله ، وقال لي : يا أماه فما الحيلة في ذلك؟
قلت له : يا بني الحب لا يكون إلا بالكتمان دون الفضيحة ، فإن كل من سمعنا عنه من أهل العشق مثل قيس وكصير وعروة وأصحاب الهوى ممن يطول ذكرهم ، إنما ابتلوا بذكرى المعشوق في الشعر وبهتك اﻷستار بالتهيام والاشتهار والسقوط في الطرق والغشيان وخلع العذار ، ومن كتم سره وستره لم يعرف له شيء ولم يكن له ذكر ، و[كثير من] الناس عشقوا فجهلوا إلا من افتضح وعرف.

أنت تقرأ
بياض ورياض
Romansaقصة من التراث العربي أخرج المخطوط : أ.ر.نيكل تحقيق وتقديم : د. صباح جمال الدين