[5]

531 59 32
                                    

•••

دلَفَت إلى الغرفة، أغلقت الباب خلفها بتآني فلم يُصدِر صوتًا، عدا عن شعاع ضوءٍ تسلل عبر الستائِر الشفافة لم يكن هنالك ما يربطهما بالعالم الخارجي. وقفت أمام السرير. بالقرب من جسده المسترخي؛ الغارق في النوم.

حرَك أنفه، وتململ ثم استدار بزاويَّة إلى الحائط، لكنه لم ينقلب. انحنت بجذعها وحدقت بتفاصيله الناعمة، أهدابه البنيَّة المُسبلَة، أنفه الصغير، الاحمرار الطفيف لوجنتيه، مدت يدها وأبعدت خصلًا مبعثرةً عن جبينه، حركت إصبع الإبهام ولامست خدوشًا على وجهه. رسمت دائرةً تلو الأخرى. إظفرٌ مصبوغ بلونٌ خمري براق، مصقول ونظيف. لاحظت أن لون يدها يبدو شاحبًا مقارنة ببشرته التي لوحتها الشمس، بشرة فتية، بضَّة، أكثر حياة. كان ساكنًا. هادئًا. وديعًا. هشًا...وسهل الكسر.

على طاولةٍ عاليَّة بالقرب من السرير وُضِعت أدوات لتضميد الجروح وتطهيرها، حوَّت مشرطًا. في الحقيبة السوداء المتدليَّة عن كتِفها يُوجَد قلم. من ذلك النوع الفاخر ذو السن المدبب والنهاية الفضيَّة اللامعة.

حذاء الممرضة البلاستيكي أصدَرَ صريرًا مع الرخام، كان الصرير يبتعد، يتجه ناحيَّة المصعد الموجود بنهايَّة الممر. عندما رن جرس الضلفتين وهما تَنغلِقان؛ هيمن صمتٌ مُطلَق.

فوق الجدار المحازِي لها، كانت عقارب الساعة تدور، تلسَّع، تدفعُ بيدها الموضوعة على وجنتِه أن تتحرك، تُطالِب الأسئلة بداخلِها بإجابات، بنهايَّةٍ لا تحتمل شكًا.

أبعدت يدها فتململ مرةً أُخرَى ومن حضنِه اِنزلَقت زرافة محشوة واِنكفأ وجهها على السرير، حدقت بالكائِن القماشي المُهترِئ، بعلامة الاهتمام من أخٍ كثيرًا ما ترجاها بعتابٍ صامت...أن تُحِبَه كما يُحِبُه هو.

راقبت ملامحه المسالمة، غير المُدرِكة لمَّا يجري، لظل يدها الذي اِستطَال على الجدار المقابل...وباتَّ مشوهًا، تخيلته بذات هذه الملامِح وهو مسجىً بداخل تابوتٍ خشبي، أبيضٍ ونقيّ، شَاهِد قبرٍ حجريٍ قديم، اسم وتاريخين بينهما 14 عامًا، جملة: سُلِب من الحياة. لأنه لم يستحِق أن يعيشها. لأنه لم يحاول. لأنه كان دميَّة. خطَأ.
خطأ.
خطأ.
خطأ.
رفعت الدُميَّة المحشوة، رويدًا رويدًا ضَغطَت بأصابعها حول عنقها، القليل من القوة بعد وسيُفصَل الرأس المُترَاخي، تجاوزت مدة صلاحيتِها منذ وقتٍ طويل، كان من الأحرى به رميها، التخلص منها، حرقِها...لكنه آثر إبقاءها كذكرى. كعلامةٍ تافهةٍ لأملٍ بلا معنى.

ضغطةٌ أخرى...كادَت أن تحدث لولا أن الباب فُتح فجأة، سقطت الدميَّة على الفراش، آمنةً فوق صدره. أراد الضيف غير المرغوب به أن يقول شيئًا لكنها رَفعت إصبعها السبابة إلى فمها، ابتسمت بشفاهٍ قرمزيَّة وأشارت نحو الخارج، أومَأ بطاعة وسبقها الخطا، رمقت الجسد النائِم بنظرةٍ أخيرة.

لقد وصلت إلى نهاية الفصول المنشورة.

⏰ آخر تحديث: Jan 23, 2021 ⏰

أضِف هذه القصة لمكتبتك كي يصلك إشعار عن فصولها الجديدة!

«Blue, Dark & Sad | أزرق، داكن وحزين»حيث تعيش القصص. اكتشف الآن