مرت الساعات التالية ببطء بالغ .. لم يتفوه احدهما بكلمة ..
عندما بدأ الظلام في التلاشي، نهض كارم
طوى كيس نومه ثم امسك بحقيبته وخرج خارج الخيمة .. ومن الاصوات التي سمعتها اريانا، بدا انه يتناول افطاره ثم يبتعد. ادركت انه يتسلق الشجرة الان عائدا الى موضع مراقبتهم.
بجانبها كان هاتفه الذي ألقاه لها أمس. أمسكت به وفتحته. هاتف ساكن ينتظرها لتطلب سيارة الخلاص من جحيم السافانا هذا. الطريقة الوحيدة لتضمن ألا تصير وجبة أسد ما. ما هي الا عدة ضغطات وساعة من الانتظار لتصير في أمان تام.
*****
بعد نصف ساعة، رأى كارم أريانا تقترب من شجرته. بصغوبة لكن بهدوء تتسلق. ثم تستقر على الفرع التي احتله أمس. دون صوت تخرج كاميرتها وتقوم بضبطها وتجلس في سكون.
لم يسألها، ولكنه فهم انها تراجعت عن فكرة العودة. تعجب قليلا في داخله وقال لنفسه حسنا، هناك بعض الشجاعة داخل تلك المغرورة.
الغريب ان لا قرارها هذا ولا احتمالية موتهما أمس قد قلل من كراهيته لها. كانت من الاشخاص الذين لهم حضور ثقيل في المكان، وكأنها تقف بقدميها على قلبه لا على الغصن المجاور.
وجودها قد يضمن جودة الفيلم الذي يصوره، هذا إن كانت مهارتها تمثل واحدا في الالف من عنادها. وهذا إن حالفه الحظ أصلا ليأتي ذكرا وانثى آخرين في نطاق كاميرتهما.
ساعة مرت
ساعتان
خمس
عشر ساعات .. ولم يمر وحيد قرن واحد حتى ..
الشمس تتراجع في سرعة وكأنها تهزأ من فشلهما اليوم في التقاط أي شيء..
يتراجع ليحرك ظهره المتصلب، يبدأ بفك كاميرته وهو يقول لها: هيا، انتهى اليوم.
يضع كاميرته في الحقيبة ويتسلق الشجرة نازلا ثم يتجه ناحية مكان الهيمة. تتبعه أريانا نازلة ثم تسرع في مشيتها لتلحق به. قبل ان تصل إليه تسمع صوته الغاضب قائلا: اللعنة.
اقتربت لتجده يشير إلى الخيمة ووجهه يبدو عليه الجنون. يقول: ما هذا؟
لم تفهم. تقول في خوف: هل هناك شيء داخل الخيمة؟
يقول بنبرته الخافتة الغاضبة: أنت لم تطوي الخيمة.
تعقد حاجبيها وتقول في تردد: ألسنا سننام فيها مرة أخرى؟
ترى اصابع قبضته وهي تشتد على بعضها، يقول: ألا تعمل أي خلية في عقلك؟ .. في النهار يمكن لأي حيوان تمييز الخيمة. بعض الحيوانات هنا لديها ذاكرة حديدة، حتى انهم قد يعودون الى نفس المكان مرة اخرى عندما يحل الظلام.
ازدردت لعابها وقالت: ولكنك لم تقل لي هذا. لقد غادرت دون كلمة في الصباح.
ضغط على أسنانه في حنق وقال: أي طفل يدري أي شيء عن الادغال كان ليعرف هذا. في الحقيقة يتطلب الامر عته خارق لترك الخيمة نهارا في الادغال.
لم تعرف بم تجيب على سيل الإهانات هذا .. كان عقلها مشتعلا بالغيظ حتى انها ودت لو تخرج الخنجر من حقيبته وتغرسه في عينه المحمرة تلك.
في النهاية قالت في حزم: الطفل فقط هو من يلقي باللوم في اخطائه على الاخرين.
هز رأسه في يأس. كان يفمر كيف يتسع رأسها الصغير هذا لكل هذا الكم من السذاجة والتخلف وتصلب الرأي. كان يعرف ان النقاش مع امثالها لن يجدي. هؤلاء لن يعترفوا بأنهم أخطأوا ولو بعد ألف عام.
منع نفسه بالكاد من ان يلف اصابعه حول رقبتها ويخنقها، برغم ان عقله أخذ يخبره انه يمكنه دفنها في الادغال وادعاء اختفاءها ولن يكتشف احد شيئا. قاوم اغراء هذا الهاجس وتشاغل بإخراج اعمدة الخيمة المعدنية من االارض وطيها.
صاحت اريانا: ماذا تفعل؟
لم يجبها. إن فتح فاه لن يخرج شيء سوى أقذر انواع السباب. طوى الخيمة بالكامل وحملها ونظر حوله. ثم سار في اتجاه نحو مكان قدر انه مناسب. يجب ان يبتعد بقدر الامكان عن مكان الخيمة السابق، ويجب ان يكون ايضا ذا اعشاب عالية لا يمكن تمييز قماش الخيمة خلالها.
صاحت من خلفه: إلى اين انت ذاهب؟
لم يرد. عرف انها تتبعه من صوت خطواتها وايضا من غمغماتها الحانقة. لا يهتم. يتمنى لو تفقد اثره وتضيع فعلا في الادغال.
وصل للمكان المختار. نصب الخيمة في هدوء. دلف الى الداخل وفرد كيس نومه وانسل بداخله.
بعد دقائق دخلت اريانا وفعلت المثل ثم اغلقت سحاب الخيمة. وساد الصمت التام.
بعد وقت ما .. استيقظ كارم على نغزات متتالية في كتفه. اخذ لحظة ليستوعب انه اصبع أريانا. فجأة عادت له ذكرى الليلة الفائتة، يبدو انه غط في النوم تماما فلم يسمع شيئا هذه المرة. سحب الخنجر في سرعة ونهض جالسا وقلبه يدق في سرعة. هذه المرة ربما لن يكونا محظوظان كالمرة الفائتة...
أنت تقرأ
ساڤانا (+١٨)
Romanceمصوران، رجل وأنثى، يعملان لقناة ناشيونال چيوجرافيك. يصوران حدثا نادرا للحياة البرية في حشائش الساڤانا. ولكن الأحداث تضطرهما للاقتراب سويا، وربما أكثر من اللازم.
