الفصل التاسع

22.7K 833 27
                                    

الفصل التاسع

يوم جديد وصباح يتجدد بمسؤليات تنتظرها، ولا تستطيع الفكاك أو التنصل منها، خرجت من البناية بصحبة شقيقتها الصغرى التي ودت اليوم أن تخرج بصحبتها لتقلها في السيارة معها.
- ايوة بقى يا ست رؤى، توصيلة ببلاش وحق الدرس مدفي جيبك مع المصروف، استغلال بحق وحقيقي يعني.
قالتها شهد بتفكه وهي تفتح باب السيارة لتستقل مكانها خلف عجلة القيادة، ضحكت لها الأخرى وهي تنضم معها في الكرسي الأمامي المجاور لها لتقول:
- مش انا الصغيرة، ييبقى من حقي بقى استغل واعمل على كيفي كمان .
عبست شهد بوجهها تدعي الغضب وهي تدير المحرك لتتمتم بتصنع الغيظ:
- دا بدل ما تقولي عنك يا ختي، وخدي المصروف وحق الدرس، بتقوليها في وشي، انتي يا بت جايبة البجاحة دي منين؟
ردت رؤى تشاكسها بخبث:
- جايباه من أمنية، مش هي اختي برضوا.
قالتها لتقهقه في الضحك بشقاوة، وتمتمت شهد :
- يا بنت ال.......
ضغطت حتى لا تخرج سبة وقحة وهي تمنع نفسها بصعوبة عن الضحك بصوت عالي أثناء قيادة السيارة.
حينما هدأت ضحكات رؤى خاطبتها سائلة:
- مدام جيبتي سيرتها، كلميني بقى عنها، هي عاملة إيه دلوقتي مع خطيب الهنا بتاعها اللي جرستنا عشانه؟
خبئت ابتسامة رؤى لتجيبها بحرج:
- انا مبشوفهاش كتير عشان الدورس والمذاكرة، بس هي طبعًا طول اليوم يا بتتزوق، يا بتتفرج ع التليفزيون، يا بتتكلم مع ابراهيم، والاخيرة طبعًا هي اكتر حاجة، انا مش عارفة، دول مبيزهقوش من الرغي والخناق، اقسم بالله انا بصدع لو جات وقفت جمبي وسمعت حتى  لو جزء من كلامهم، دول فعلاً شبه بعض .
تبسمت شهد بزواية فمها دون ان تحيد بعينيها عن الطريق لتسألها:
- طب وشغل البيت، ما بتساعدتش والدتك في أي حاجة خالص؟
نفت رؤى بهز رأسها لتقول:
- ولا حتى الطبق اللي تاكل فيه بيهون عليها تغسله، أمنية اتعودت على التناحة وامي هي السبب، بتخاف منها ومن صوتها وصريخها، امنية دي مفترية.
قارعتها شهد بانفعال:
- لا يا حبيبتي، امك هي اللي ضعيفة وبتشجعها ع النطاعة، المثل بيقول الحاكم الضعيف فتنة وانتي والدتك هتشلني بسلبيتها....
قطعت لاهثة فجأة، تستدرك العمر الصغير لشقيقتها، وحتى لاتفهم كلماتها بالخطأ عن والدتها، خصوصًا، وهي ترى هذا التأثر الذي بدا جليًا على وجه الفتاة، فقالت بأسف:
- معلش يا رؤى،إن كنت اتعصبت ولا اتنزفزت، دي لحظة صبحية وانا باين عليا هبتدي يومي بالعك من أولها.
تبسمت رؤى لها بضعف ولم تتكلم، فقالت شهد مغيرة دفة الحديث:
- طب والواد ابراهيم متعرفيش اخباره ايه؟ اشتغل في شقته بقى ولا لسة؟
ردت رؤى تهز كتفيها بعدم معرفة:
- معرفش، ماما مبتحكيش قدامي حاجة.
سمعت شهد وظلت صامتة لبعض الوقت تتابع طريقها، ثم سألتها بحرج:
- بس هو مبيجيش البيت صح؟ ماشي ع التعليمات ولا اا إيه؟
أجفلت رؤى في البداية وقد باغتها السؤال، لتنفي بهز رأسها بتوتر صامتة، حتى لا ينطق لسانها بالكذب، وهي لا تريد الكذب على شقيقتها

❈-❈-❈

- تاني يا ابراهيم، هو انت عايز مشاكل يعني ولا إيه؟
قالتها أمنية وهي تقف تسد بجسدها المكتنز مدخل الباب، فقال الأخر متهكمًا:
- طب ما تتطرديني احسن، هو انا شحات عندكم يا بت؟
إبتلعت بتوتر وعينيها تجول على أعلى السلم وآخره، تراقب حركة الجيران، لتقول بتخوف:
- منظرنا كدة على باب الشقة مش حلو يا ابراهيم، والجيران هنا عينهم تدب فيها رصاصة.
- طب قولي لنفسك.
قالها والتفت متنبهة على نبرة صوته لتجد منه النظرة الثاقبة المتفحصة على جســ دها وما ترتديه من عباءة منزلية بيتيه، من القماش الناعم الذي يلتصق بها على بعض الأماكن، نظرة على قدر ما تنعش انوثتها، بأن تشعر أنها مرغوبة في أعين رجل كإبراهيم صال وجال في عالم النساء بسمعة تعلمها من حديث فتيات الحي عنه قبل ذلك، لكن في نفس الوقت تخيفها؟
- امشي يا ابراهيم، امي في السوق، وشهد محرجة عليك اساسًا ان متجيش هنا .
قالتها متصنعة الحزم، بلغة يفهما ابراهيم جيدًا، وهي التمنع بدلال، وهو الخبير بعالم النساء يجيد التعامل معها ويراوض عقلها الغبي جيدًا، لذلك قال:
- بقولك إيه يا بت، انا محدش يحكم عليا، خصوصا، لو كان الحد دا حــ رمة .
- وحد كان قالك توافق انت وابوك؟ ما انتو اللي سكتو وخلتوها، مش كلمتها عليكم.
قالتها واشتعلت عينيه حتى اعتقدت انه على وشك الهجوم عليها، فتراجعت خطوتين حتى تغلق الباب بوجهه لو فعلها حقُا، انقذها خروج جارتهم، السيدة أم هشام والتي القت التحية بنظرات مرتابة نحوهما:
- صباح الخير يا أمنية، صباح الخير يا ابراهيم، عاملين إيه؟
ردت امنية خلفها التحية بصوت عالي لتداري توترها:
- صباح النور يا خالتي، تعالي اقعدي شوية واشربي الشاي مع امي جوا.
التفت لها المرأة برأسها بنفس النظرة لتقول:
- ليه بقى يا حبيبتي، لهي لسة مرحتش السوق؟ اما ولية كسلانة صحيح .
قالتها ومصمصت بشفتيــ ها تصدر صوت مستهجن قبل ان تلتف لتهبط الدرج وتتركهما، لتغمغم امنية خلفها بامتعاص:
- ولية عقربة، خدت بالك من تلميحاتها ونظرتها لينا؟
التفت توجه الحديث إليه بعصبية:
- بس انتي اللي جايب الكلام والحديت بوقفتك الغريبة دي، الولية دي انا عارفاها كويس مش بعيد تقابل امي في السوق وتعملها قصة، انا عارفة انت مش هتستريح غير لما تسوء سمعتي، انا عارفة...
- وإيه تاني يا روح امك؟
قالها مقاطعًا يجفلها بلهجته العدائية نحوها، لتلتصق بالباب تكاد أن تموت في جلدها، بعد أن أسهبت كعادتها في السخط والصياح كما تفعل دائمًا مع والدتها وشقيقاتها، وانتظرت رد فعله بعد فترة من التحديق المستمر بها، ليبث في قلبها الرعب، قبل أن يرمي سيجارته على الأرض يدعسها بقدمها، ثم قال:
- عارفة يا بت ال....... لولا اني مش عايز افرج الناس عليكي صح، لكنت دلوقتي مسحت بيكي بلاط السلم ده، ولا كنت اخلي فيكي حتة، بس اقولك انتي لسة حسابك عندي، وانا برضوا ابن كلب عشان جيت وعبرت واحدة زيك، بتشوفي نفسك عليا يا اختي، لكن ع العموم انا عندي إستعداد افضها سيرة واخلص.... وعادي اوي  على فكرة.
قالها وتحرك يسحب شياطينه معه، أما هي فقد كانت على وشك ان تقع مغشيًا عليها، خوفًا من التنفيذ في أن يفسخ الخطبة، تحركت خلفه تهتف بجزع:
- براهيم ، استني يا ابراهيم، يا نهار اسود، هو انت هتسبني بجد ولا إيه؟ براااهيم.
كادت ان تهبط خلفه درجات السلم، قبل ان تنتبه على ما ترتديه وهذه العباءة الملتصقة بها، فعادت مضطرة لتدخل منزلها وتتناول الهاتف، لتلح بالإتصال عليه، وهو كالعادة لن يرد إلا بمزاجه ووقت أن يريد،  بعد أن تتذلل له بالبكاء والرسائل المتعددة ليرضى عنها.

 وبها، متيمٌ أنا حيث تعيش القصص. اكتشف الآن