واقفة تحمل طفلتها حديثة الولادة بين ذراعيها...في هاذا الظلام الدامس...ودموعها تنهمر بغزارة وهي واقفة على باب الميتم الذي ستترك به إبنتها...قطعة من روحها....لم تكن تريد هذا ولاكن الظروف كانت أقوى منها...وهي إمرأة ظعيفة لا تستطيع المحافظة عليها...في هاذا الزمن القاسي...همست لها بصوت مخنوق بالبكاء و كأنها تداوي جراح قلبها الذي يتقطع على فلدة كبدها:
"آسفة يا حبيبتي...سامحيني لما سأفعل لك...ليتني انجبتك في ظروف أفضل من هذه...لم أكن لأتخلى عنك...أو أسمح لأحد بأخذك بعيدا عن حظني...ولاكن صدقيني...أنا أفعل هذا لحمايتك...على الأقل ان يأذيكي أحد هنا...وتذكري دائما...أن والدتك تحبك أكثر من روحها..." قالت ذالك و رفعتها قليلا لترتوي من رائحتها التي لن ترتوي منها مجددا....ثم خلعت عقدا من رقبتها لتلبسها إياه...و كأنه آخر ذكرى ستتركها لتتذكرها بها...وقبل أن يلاحظها أي أحد...وظعتها في الأرض أمام البوابة...لتختفي في هاذا السراب مثلما ظهرت....ولاكن كان هناك أعين تراقبها...وتراقب كل حركة تقوم بها...إنها أعين ذالك الصغير الذي يطل من نافذة الغرفة داخل الميتم...إنه طفل ذكي ومتحاذق رغم صغر سنه...ما إن وجدها تختفي حتى أسرع ركضا ليفتح البوابة...ويدخلها للداخل بسرعة لﻵ تبرد...ما إن ادخلها حتى بقي يداعبها لتستفيق من نومها...وماهي إﻵ لحظات قليلة حتى فتحت عينيها الصغيرتين الآسرتين...الزرقاء بلون السماء...
وجدتها تتثائب و تبتسم له...ليبادها الإبتسامة بأخرى أكثر إشراقا...ليدأ بالحديث معها بصوت هادئ وحنون و كأنها تفهمه:"مرحبا يا صغيرتي...أنا بارون...عمري ثلاث سنوات...وأعيش في هاذا الملجئ...ومنذ هذه اللحظة...سأكون مسؤولا عنك و عن أي شيء يخصك فأنا من وجدك أولا...لذا فأتني تنتمين لي...وانا أنتمي لكي....ولا أحد سيفرقنا أليس كذالك..."
إنتهى من كلامه ليجدها تضحك و تصفق له بيديها الصغيرتين...أما عن بارون فقد كان شاردا و يفكر في تسميتها...إلى أن لفتت نظره السلسلة المعلقة برقبتها...امسكها ليجد بها إسم سنايا...بقي يردد هذا الإسم على نفسه و كأنه يستشعره...إبتسم إبتسامة عريضة بعدها لأنه وجد ضالته...أعاد النظر إليها ويقول لها:"منذ اليوم...سيكون إسمك سنايا..لأنني أحببت هاذا الإسم...و أحببته عليكي أيضا...وأنا حين أدللك سأناديكي سانو...والآن هيا لننام فغدا سيكون يوما طويلا..."
وكما قال بارون فحقا اليوم كان طويلا...فقد علمت المسؤولة عن إنظمام فرد جديد لديهم...وهاذا يعني المزيد من المصاريف في أكلها و شربها و شراء ملابسها و تسجيلها الذي يكلف كثيرا...
وهاكذا مرت ثلاث سنوات...ثلاث سنوات كفيلة بأن تجعل الجميع يتعلق بهذه الطفلة الرائعة الجمال...سواء أكان كبيرا أو صغيرا...فقد أصبح لديها شعر اسود ناعم يصل إلى ما قبل خصرها بقليل...و بشرتها كانت ناصعة البياض...و فوق كل هاذا إبتسامتها التي حين تراها تنسى حزن يومك بأكمله...و شقاوتها و مرحها الذي لا ينتهيان...و إزداد معه حب بارون لسنايا وهي المثل...فهي أصبحت لا ترى سواه في هذه الحياة...لأنه أصبح سندها و أمانها و حضنها الذي اذا ضاقت بها تأتي لتختبأ فيه...كانت حين تبكي تجد يده تمتد لتمسح دموعها....
وحين كانت تريد شيئا ما...تجده أمامها حتى بدون أن تطلبه...تذكرت ذالك حين رئت هذه الدمية التي تحملها معها أينما ذهبت...ولا تتركها أبدا...فقد كانت ترغب بها حين أتوا المتطوعين ليوزعوا عليهم الألعاب و الهدايا...ولاكن للأسف كانت هناك فتاة هي السابقة لها....وحينما وجدها بارون تبكي و سألها عن سبب حزنها...أخبرته رغبتها في تلك الدمية...وماهي إلا ثواني عديدة...حتى وجدته يحظرها لها....فقد عرف بالميتم أنه لا يتهاون في إحظار أي شيء لصغيرته....بالقسوة...بالين...لا يهم...و إن فكر أحد مجرد التفكير بمضايقتها او إزعاجها...فالويل له...لأنه سيكون راقدا في المشفى...حتى المديرة لا تجرأ على التحدث معه او إرغامه على شئ ما...فهي تعرف العواقب جيدا...
وجدها شاردة الذهن و اتجاه في الأفق البعيد...ليقترب منها قائلا:
"ما الأمر سانو...في ما أنتي شاردة الذهن هكذا...هل هناك ما يزعجك..."سنايا بإبتسامة جميلة:"لا لا شيء يزعجني...الأمر فقط أنني أفكر هل سيفرقوننا عن بعضنا البعض يوما..."
بارون وعينيه تقدحان شررا:"أقسم لو فعلوا هذا...فسأحرق الملجئ بما فيه...ولن يهمني أي أحد...أنتي فقط لا داعي للقلق..."
إبتسمت له سنايا بقلق...فهي ليست مطأمنة لهذا اليوم...وكأن قلبها حدثها أن ما تخشاه سيحدث...و ستفترق عن بارون....أمسكت تلك القلادة التي في عنقها...وهي تلعب بها لأنها الشيء الوحيد الذي يشعرها بالراحة...و يقلل عليها التوتر الذي تشعر به....
فما الذي سيحدث و يجعل سنايا قلقة هاكذا؟
وإن حقا حدث ما تخشاه فكيف سيكون رد فعل بارون؟
وهل سينفذ تهديده أن أنه مجرد كلام لا غير؟

أنت تقرأ
سنلقي مجددا (مكتملة)
Roman d'amourقصة رومانسية تتحدث عن طفلة حديثة الولادة تأخذها والدتها لتظعها على باب الميتم لأن هناك ظروفا اجبرتها على ذالك...وهناك يراها طفل صغير...ليدخلها و يكون هو المسؤول عنها وعن أي شيء يخصها...تصبح الطفلة في عمر الثالثة وهي لا ترى غير ذالك الطفل الذي أصبحت...