لم يكن مجرّد كابوس، بل شعرتُ أنّني كنت هناك حقًّا. في زاويةٍ منسية من جنوب المدينة، حيٌّ عجوز يتكئ على العتمة، شاحبٌ كأنّما مرّت عليه كلّ الحروب ولم يُكتب له أن يموت. كلّ شيء فيه يئن: الجدران المشققة، العمارات البالية، الأرصفة التي حفرتها أقدام الهاربين من مصيرٍ مجهول.
وفي قلبه، منزلنا. المنزل الذي يُشبه أبي؛ مُنهك لكنّه واقف، يتلقى العواصف ولا يشتكي. اعتدتُ أن أقول لنفسي إن هذا المكان ينام، لكنه في الحقيقة لا ينام... بل يترقّب.
النّاس هنا لا ينادون الشوارع بأسمائها الحقيقية، بل بألقاب ولدت من الخوف.
وذلك الشارع تحديدًا أصبح اسمه "شارع الموت"، لا لأنهم أرادوا التهويل، بل لأن الأرصفة نفسها ما زالت تذكر رائحة الدم.
كنت أرى كلّ ذلك في حلمٍ لا يشبه الأحلام الطبيعية، كنت أسمع صراخ الريح، وأشمّ رائحة الغبار، وألمح نافذتنا تهتز تحت سطوة العاصفة، ثمّ...استيقظتُ.
فتحت عيني على ظلامٍ دامس، وقلبي يخبط صدري، تلفّتُّ حولي؛ لا شيء سوى سكون بارد والكهرباء مقطوعة. رفعت رأسي نحو الساعة المعلقة كانت تشير إلى الثانية عشرة تمامًا.
زحفتُ ببطء خارج الفراش، ويدي ترتجف وهي تبحث عن المصباح اليدوي. أضأتُ ضوءًا خافتًا، فارتعشت الظلال على الحائط، كأنّها أرادت أن تُحذّرني مما سيأتي.
رأيتُ النافذة مفتوحة، والستائر تتراقص بهلعٍ مع الريح. تقدّمتُ نحوها، والمطر يلامس وجهي، وبرودة اللّيل تغرس أصابعها في جلدي. أغمضتُ عيني لثوانٍ، محاوِلة أن أطرد ذلك الثقل الذي جثم على صدري.
ثمّ...سمعتُ خطوات لم تكن في الخارج، بل هنا، خلفي تمامًا. استدرتُ كمن يقف على حافة الجنون، قلبي يتوسّل أن يكون ما سمعته وهمًا...لكن الغرفة خالية.
"مجرد أوهام..." تمتمتُ بصوتٍ خافت. "لا شيء هنا." عدتُ إلى الفراش، حاولت أن أحتضن الغطاء كما يحتضن الطفل وسادته بعد كابوس، لكن قبل أن تغفو عيني،
سمعتُها... ضحكةٌ خافتة، نبرةٌ شيطانية، جاءت من الطابق العلوي.
وهنا بدأت اللعنة.
ضحكة خافتة ترددت في سقف البيت كأنّها صادرة من فم شيطان يتسلّى في الظلام. تجمّد دمي. شعرت وكأن جسدي صار حجرًا باردًا كلّ خلية فيه تصرخ: لا تصعدي!
لكني صعدت خطوة بعد خطوة والسلم يئن تحت قدميّ، كأنّه يرفض حملي إليه.
في الطابق الثاني، كان كل شيء ساكنًا حدّ الرعب. توقفت أمام باب غرفة أختي دفعتُه برفق، فصدر صوت خشب يحتك كأنّه يتأوّه. كانت نائمة، اقتربتُ منها، هدأت عندما تحسست تنفّسها كان منتظم، قبلت جبينها وخرجتُلم تمضِ دقيقة حتّى اخترق سمعي صراخ مروع من الطابق العلوي.
كان صراخ أمي! ركضتُ، أو هكذا ظننت، لأنّ السلم بدا كأنّه يبتلعني. كلّ خطوة كانت أطول من سابقتها، وكلّما اقتربتُ، أحسست أنّني أبتعد. أنرت مصباحي الصغير، وعيناي تجولان بجنون، تبحثان عن الصوت، عن أمي، عن أيّ تفسير.
حينها رأيتُه على الجدار، بخط مائل، بلون أحمر قانٍ، كُتبت عبارة:
(بدأ العد التنازلي... كوني هادئة F)
تسمّرت في مكاني أصابني الإضطراب "كلا... مستحيل" خرج صوتي ضعيفًا مبحوحًا "ليس مجددًا... أيُعقل!"
يدي على رأسي، أقاوم انهيارًا قادمًا لا محالة. قدماي قادتاني، رغمًا عني، إلى باب المخزن. كان مواربًا كأنّه ينتظرني. دفعت الباب ببطء، الهواء داخله أثقل من الخارج، أشعلت المصباح المثبّت على الحائط، الضوء بالكاد أنار الزوايا، تقدّمت خطوة، اثنتان، ثمّ تعثّرت. سقطتُ أرضًا، وشيء ما صلب تحت يدي. كانت سكين كبيرة، ملوّثة بالدماء، موضوعة بعناية، لم ألمسها نهضتُ رفعت مصباحي، ومشى النور على الجدران حتى استقرّ على ما لم أتمنَّ يومًا أن أراه.
أمي وأبي ممدّدان على الأرض. السكاكين مغروزة في صدريهما. وجسدهما مبلّل بالدماء، كأنّه يبكي بدلًا عني. ركضت نحوهما، ألقيت بنفسي بالقرب منهما وأنا أصرخ وأشهق وأنتحب بلا وعي "لماذا أنتما؟! ماذا حدث؟ من فعل هذا؟!
خرجت من المخزن، أركض، أصرخ، أتعثّر. في هذه الأثناء دوى جرس إنذار إشارة على حريق اندلع نزلت ركضًا نحو الطابق الأسفل، رأيت النار تملأ أرجاء المطبخ، ألسنة لهب تلتهم الخشب، والستائر، والجدران بسرعة هائلة.
شعرت بيد تمسكني من الخلف صرخت ظننت هلوسة لكنها كانت أختي. وجهها مبلل بالدموع، وعيونها مذعورة "ماذا يحدث الآن كيف اشتعلت النار؟! يا آلهي أين أمي وأبي؟! علينا المغادرة"
لم أجد جوابًا سحبتها من يدها، وركضنا معًا نحو باب الخروج كان مكسور، ركضنا في المطر، الشارع المظلم يحتضننا بقسوة، تعثّرنا، لكننا لم نلتفت ومن خلفنا كان البيت يبتلع نفسه.
____
نمارق رحيم✍️🏻
أنت تقرأ
شخوص متداخلة
Mystery / Thrillerفتاة مسيحيّة تجد نفسها في ليلة واحدة شاهدة على جرائم مروّعة، تُرغِمها أن تشيخ ثلاثين عامًا. تهرب مع شقيقتها إلى تركيا، ولا تملك عن القاتل المجهول سوى إشارة واحدة يتركها خلفه: الحرف F يتوهّج بالدم. مَن يكون هذا الطيف الغامض؟ وما غايتُه منها؟ بين دهال...
