سَكَتُّ، وبادلته النظرة... شعرتُ حينها بصدق كلماته. لا أعرف ما الذي أصابني في تلك اللّحظة، أحسستُ بشعورٍ غريب، غريب جدًّا.
تفاجأتُ من نفسي... لماذا التزمتُ الصمت؟ لماذا تركته يتحدث بحريّة؟ لماذا منحته الفرصة ولم أقاطعه؟
همس مبتسمًا وهو يحدّق في عينيّ بتركيزٍ حاد: ماتيلدا، أنتِ مُميزة. أحببتُ قوتكِ وشخصيتكِ. للمرّة الأوّلى أرى امرأة بهذا القدر من الصلابة، حتّى الموت لا يهزّك! هذا يعجبني، اعتبريه مديحًا... أو ربّما جرأة زائدة مني.
سكتُّ.
-أأعتبر صمتكِ علامة رضا وقبول؟
-لا، فقط أريد أن أرى إلى أين تريد الوصول؟
ابتسم، وصمت. ظلّ يحدّق بجرأةٍ لافتة ثمّ تقدّم نحوي قائلًا: هل ستباشرين العمل في الشركة؟
-لا.
-لماذا؟
-لقد أخبرتك بالسبب، لا تخدع نفسك.
-لأنّك لا تطمئنين في وجودي؟
-أجل.
-لستُ شيطانًا، كيف أقنعكِ أن نيتي معكِ ليست سيئة؟
-لا تحاول إقناعي، لا حاجة لذلك.
-كما تشائين... لكن ألم تفكّري بأمر أختكِ وعلاجها؟
-سأتدبّر أمر العمل.
-لا توجد وظائف بهذه السهولة في تركيا.
-الرب موجود.
سكت لحظات، ثمّ سأل:
-لا مجال إذن؟
-أبدًا.
-كما تشائين، لن أتوسل إليكِ.
حدّقت في وجهه، لم أتمالك نفسي من الضحك على كلماته...
-على ماذا تضحكين؟
تمالكتُ نفسي بصعوبة، وقلتُ:
-عليك.
-حقًا؟!
أقترب أكثر، ثمّ دفعني إلى الحائط، ويداي أصبحتا على صدره...
-ماذا فعلت؟! ابتعد!
-لم أفعل شيئًا... فقط أردت إسكاتكِ. ضحكتكِ مسموعة، وإن خرج أحد وسمعكِ، ماذا سيقول عنك؟. دفعته بقوّة من صدره وصفعته، قلتُ بإنفعال: إن كنتَ مهتمًّا بسمعتي لهذه الدرجة، أبتعد عني، حضرة الضابط إبراهيم. ومن الأفضل ألا أراك مجددًا!
-هكذا إذن؟
-نعم، وإن لم تذهب للأبد فسأتصل بالشرطة.
-تمام، ذاهب... تصبحين على خير. اعتني بنفسكِ وبصحة أختكِ، وإن احتجتِ شيئًا، فأنا موجود دائمًا في الشركة.
لم أُجِب. دخلتُ الشقة وأغلقتُ الباب، قلبي كان على وشك أن ينفجر. الحوار معه مستفزّ جدًّا، جعلني أتوتر بشدّة، كان شعورٌ غريب. تمددتُ على الأريكة. لم يأتِني النوم، ولا غفَت عيناي. قضيتُ اللّيل بأكمله أفكر فيه. لم أقتنع أن نيّته طيبة. تكرار الصدف جعله يبدو كاذبًا ومخادعًا. لكنه كان متواجدًا اليوم، لم يتركني لحظة، ظلّ بجانبي في المستشفى، وأشترى الدواء. كلامه قبل أن يغادر جعلني أفكر فيه بطريقة مختلفة... ربّما... ربّما يكون صادقًا؟
شعرتُ بتناقض في مشاعري وتفكيري.
عقلي يقول لي: "لا تثقي به."
وقلبي يقول: "إبراهيم يحبك أو معجب فعلًا!"
صمتُّ... تركتُ التفكير، لأنني إن استمريت على هذا الحال، فسأُجن بسببه. وفي النهاية، مرجعي دائمًا هو عقلي. من جهة، هو لم يعترف ولم يُلِحّ على حبّه، بل قال إنّ نيّته معي ليست سيئة. ومن جهة أخرى، يتغزّل بي بكل جرأة! لم أشعر بالوقت، حتّى أصبحت الساعة الرابعة فجرًا.. تفكيري كان متشعبًا جدًا. أخيرًا سلّمت أمري لله، وأغمضتُ عينيّ...
أنت تقرأ
شخوص متداخلة
Mystery / Thrillerفتاة مسيحيّة تجد نفسها في ليلة واحدة شاهدة على جرائم مروّعة، تُرغِمها أن تشيخ ثلاثين عامًا. تهرب مع شقيقتها إلى تركيا، ولا تملك عن القاتل المجهول سوى إشارة واحدة يتركها خلفه: الحرف F يتوهّج بالدم. مَن يكون هذا الطيف الغامض؟ وما غايتُه منها؟ بين دهال...
