٩

17.6K 1.8K 1.3K
                                        

كالمَدِّ والجَزْرِ هي المشاعر؛ يومًا هادئة، ويومًا غائمة، وأحيانًا تعصف بها العواصف الهوجاء. متقلِّبة، غير ثابتة، كأعاصير تضرب القلب بلا رحمة. مشاعري متناقضة أتساءل ما هذا الانقلاب الذي أصابني، من حقدٍ وكرهٍ إلى تقبُّلٍ وحبّ؟! عجزت عن تفسير ما يجري. يقول "تشارلز بودلير": "إن أجمل المشاعر هي تلك التي لا تستطيع تفسيرها."

مرّت الأيام، علاقتنا لا بأس بها، لا تتعدّى حدود الصداقة. اعتدتُ على وجوده في حياتي؛ كلّ صباح أراه، كلّ ليلة أفكّر به حتّى أنني بعض الأحيان عندما أنام متعبة أحلم به! أصبح يزورني في مناماتي فأنهض من النوم مذعورة: كيف أصبح شخص غريب مهمًّا عندي بهذه العجلة؟ إحساس غريب الأطوار... حين يكون بقربي، ترتجف يداي، ويقشعرّ جسدي، وتسرح عيناي في نظراته الجريئة. توتر فظيع! دقات قلبي تتسارع وتتضخّم. أشعر بخجل أمامه، رغم أنّي لا أخجل من أحد عادةً، وأستطيع أن أحدّق في عيون أكبر الرجال دون خوف، لكنّه مختلف عنهم بطريقة ما. مشاعر لم أعشها من قبل، وأكاد لا أعرف نفسي.

                   *******

مضت الأيّام، حياتي بين العمل والتفكير بإبراهيم، وعلاج أختي بالطبع، ولا أنسى أخبار دانيال ولورين.

في يومٍ كنتُ جالسةً بالمكتب أعمل، ورأسي يؤلمني كعادته. حاولت التركيز حتى ينتهي الدوام، وإذا بهاتفي يرنّ. رقم غريب... أجبت، فسمعت صوت أختي كاردينيا:

-ماتيلدا أنا متعبة، معدتي تؤلمني... أرجوكِ عودي بسرعة، أريدكِ بجانبي.

-عزيزتي، نصف ساعة وأصل.

أغلقتُ الخط، وذهبتُ مباشرة إلى مكتب -إبراهيم. طرقت الباب.
-تفضّلي، ادخلي.
دخلت واقتربت من كرسيه:
إبراهيم، أختي متعبة وتحتاجني... أريد أن أذهب، هل تسمح؟

نهض من كرسيه قائلًا: بالطبع، يمكنكِ الانصراف.
-شكرًا لتفهّمك.
-لا شكر على واجب، طمئنيني عنها لاحقًا. وإن أحببتِ، أوصلكِ بنفسي.
-لا داعي، أستطيع أخذ سيارة أجرة.
-كما تريدين، اعتني بنفسك.
-إلى اللقاء.

خرجتُ من الشركة أحمل حقيبتي، ومشيتُ نحو محطة السيارات قرابة ربع ساعة، أبحث عن سيارة توصلني إلى الشقّة بسرعة.
كنتُ مستعجلة، وكلّ تفكيري عند كاردينيا.

لسوء حظي ظهر شابّ مرّ بجانبي بسرعة، سحب حقيبتي وغادر! ركضتُ وراءه دون أي تفكير، لكنّه دخل أحد الأزقة واختفى. وقفتُ أضرب الأرض بعصبية، قبضت يدي بقوة يا الهي الحقيبة فيها نقودي كيف أذهب الآن!..

عدتُ الى الشركة محبطة. كانت الساعة الثانية عشرة، إنتهى الدوام. لم أعرف ماذا أفعل. إن سرتُ على الأقدام سيستغرق الطريق ساعة تقريبًا، وأنا منهكة أصلًا.

وقفت حائرة أمام الشركة، وإذا بي أسمع صوت بوق سيارة. تجاهلت. لكن إبراهيم نزل من سيارته واقترب مني: لماذا تقفين هنا؟ ألم تغادري قبل نصف ساعة؟

شخوص متداخلةحيث تعيش القصص. اكتشف الآن