١٢

17K 1.6K 1.7K
                                        

لم أنَمْ طوال الليل من شدّة التفكير المبعثر والحيرة، حتى دوّى جرسُ المنزل فجأة.
لا أُخفي أنّ التوتّر اجتاحني؛ أسرعتُ إلى المطبخ، تناولتُ سكينًا كبيرة، وتسلّلتُ نحو الباب أنظر من ثقبِه، فلم أرَ أحدًا!
تساءلتُ في نفسي: من الذي رنّ الجرس؟
كنتُ أريد العودة إلى غرفتي حين طُرِق الباب من جديد. تشبّثتُ بالسكين أكثر، أخفيتُها خلف ظهري، وأخذتُ نفسًا عميقًا ثم فتحتُ الباب.
فإذا بوجه «إبراهيم» أمامي.
تطلعتُ إليه بتوتر.

إبراهيم: صباح الخير.

لم أُجِب، وشعرتُ أنّ يدي ارتخت. لاحظ السكين في يدي فبدت على وجهه الدهشة، وقال بشك:
إبراهيم: ما الذي كنتِ تفعلين؟
-لا أفعل شيئًا.
إبراهيم (ساخرًا): من القتيلة يا ماتيلدا؟ اعترفي كم جريمة ارتكبتِ؟
-ما بالك؟ (تكلمت بدهشة من أمره)

ثمّ أطلق ضحكةً عالية وقال: أمزح.

-إن كنتَ تريد التحدث والجلوس في الصالة فانتظر حتى تستيقظ كاردينيا، لا أدعك تدخل ونبقى وحدنا.
-أصبحتِ صارمة!
-صحيح أنّنا نحب بعضنا، وأنّ خطوبتنا قريبة، لكنّي لا أسمح لك بتجاوز حدودك.
-وعلى ذِكر الخطوبة… أما زلتِ غير مقتنعة؟
-بماذا؟
-بخصوص استعجالي للخطبة، لا أتحمل، متى توافقين؟
-كُفَّ عن سخافاتك.
-أمزح، لكن صدقًا استعجلي؛ لقد صبرتُ خمسة أشهر بانتظار موافقتك، وأعطيتك كل راحتك.
-الذي يريد الجميل يصبر على مرّه.
-صدقتِ، ولك أن تأمري؛ لكن شرستي الوحيدة أنّي صرتُ أراكِ في كل حين، أنام وأصحو وأنتِ في بالي. أحبّك كثيرًا وأنتظرك، عساه لا يكون عُمري كلّه انتظارًا.
أجبته (مبتسمة): أحبّك يا برهمي.
-حسنًا، الآن صار فيها «برهمي»! أأدخل إذن؟
أومأتُ رأسي نافية وضحكت.
فرفع حاجبه وهزّ رأسه مبتسمًا:
-حسنًا… والعمل؟ هل ستداومين؟
-لا أدري، أفكّر.
-قد اعتذرتُ منكِ.
-أعلم، وأنا بدوري تماديتُ بالكلام. لكن لا تنسَ أنّك أنتَ طردتني.
-أنتِ أغضبتِني وأفقدتِني توازني فلم أتنبه إلى كلامي، ووالله لا أدري كيف طردتكِ، كانت لحظةَ عصبيةٍ فحسب.
-حسنًا.
-ما رأيك أن نخرج لنغيّر الجو ونتنزه؟
-إلى أين؟
-إلى المدينة أو أي مكان تختارينه، أريد الجواب الآن.
-موافقة، لكن أختي ترافقنا.
نظر إليّ نظرةً لم تُعجبه فضحكتُ وقلت: ها؟
إبراهيم (مستسلمًا): مُمكن… وهل أستطيع أن أعترضكِ؟ مَن أنا لأعاندكِ؟
-أكيد لا.

غادر وأغلقتُ الباب خلفه، ثمّ أعدتُ السكين إلى المطبخ براحة، وعدتُ إلى غرفتي مبتسمة. نسيتُ كلّ التفكير والضيق، فقد كان الحديث مع إبراهيم حقًا علاجًا لروحي.

تمدّدتُ على السرير ولم أُعِر كلام «دانيال» أي اهتمام. للمرّة الأولى أشعر أنّ كلّ شيء سيمرّ بسلام، وما كُتِب لي لا مهرب منه. لقد تعبتُ من الماضي، وأريد أن أفتح صفحةً جديدة مع حبيبي إبراهيم. ما دمتُ أمسك بيده فلستُ خائفة من شيء، فلستُ وحدي؛ إبراهيم معي.

شخوص متداخلةحيث تعيش القصص. اكتشف الآن