ابتسمتُ لها، كانت في حالةٍ من الدهشة، فربّتُّ على ظهرها برفق ثم تركتُها. مسحتُ يديّ بالمنشفة، ونزعتُ صدريّتي وعلّقتُها بينما الأفكار تتزاحم في رأسي. خرجتُ من المطعم متوجّهةً إلى الحديقة الجانبيّة. هناك اتّصلتُ بـ"جَنّات"، كان هاتفها يرنّ دون أن تُجيب. انتظرتُ نحو ربع ساعة، واقفةً أترقّب ردّها، حتى أجابت أخيرًا. جاء صوتها مُضطربًا، مُرتجفًا، فزاد ذلك شكوكي.
جَنّات: لِمَ اتّصلتِ؟ هل حدث شيء؟
قلتُ: لا، لكن اليوم جاء شخص يسأل عنكِ.
جَنّات: مَن؟
قلتُ: ما بالكِ ارتبكتِ هكذا؟ أهو مُجرم يا عزيزتي؟ إنه رجل عادي، سأل عنكِ فقط.
جَنّات: لم أرتبك… فقط أسأل: مَن هو؟
قلتُ: لم أعرف اسمه، لكنه قال إنه F… صديقكِ.
جَنّات: هل كان يرتدي قناعًا أسود؟
قلتُ: نعم، صحيح. أتعرفينه؟
جَنّات: أعرفه… أعني… لا… مَن يكون؟ ماذا يريد منّي؟ لا تعلمين؟
كانت تتخبّط بكلماتها، فألححتُ عليها لأوقعها في الفخّ دون أن تمنح نفسها وقتًا للتفكير. صوتها يرتجف، وتوتّرها يفضحها.
جَنّات: لا أعرفه… أنا فقط أخذتُ المال وفعلتُ ما طلبه منّي…
كانت اعترافاتها صدمة. انقطعتْ كلماتُها فجأة، وكأنّها أدركت أنها أفشت ما لا ينبغي.
قلتُ لها بحدّة:
– أيُّ نوعٍ من البشر أنتِ؟ كنّا نظنّكِ صديقة، فإذا بكِ تخونين صداقتنا… وتخونين المدير! أنا أكره الكذب والخيانة. سترين يا سيّدة جَنّات ما سأفعله بكِ.
جَنّات: لقد أجبرني…
قلتُ: لم يُجبرك أحد! لا تكذبي. أنتِ أصلًا لستِ إنسانة صادقة… أنتِ سيّئة.
جَنّات: قال لي إنني إن لم أنفّذ أوامرَه سيقتلني… حتى إنّه كان يحمل مسدّسًا.
قلتُ: والمال؟
جَنّات: هو من أعطاني إياه… قال إنه مكافأة.
قلتُ: توقّفي عن الكذب!
جَنّات: أنا لستُ في المنزل الآن… وربّما هاتفي مُراقَب!
صرختُ فيها:
– المدير كان يقول لنا دائمًا: "بابا"، ويعدّنا بناته. كان يزيد رواتبنا ويشجّعنا بكلماتٍ صادقة. كلّ ذلك لم يقف في عينيكِ؟ وفي النهاية تنامين في المستشفى بسبب طمعكِ بالمال؟ ألم يردعكِ ذلك؟ ما أشدّ ما فيكِ من قسوةٍ ووقاحة!
جَنّات: أنا آسفة يا لورين… سامحيني…
قلتُ: بعض الاعتذارات يجب أن تُرفَض.
أغلقتُ الهاتف في وجهها. ناكرةٌ للجميل، لا يُؤمَن جانبها.
ذلك الموقف علّمني ألّا أهبَ ثقتي لأحد، وألّا أقدّم حبًّا لمن لا يستحقّه. كرهتُها… لأنّني أكره الخائنين.
ومع ذلك، لم أستطع اللجوء إلى الشرطة؛ فالبنت ستُقتل بسبب F، وستتفاقم المصيبة. كان يفعل كلّ شيءٍ عن قصد… عن خطّة.
أدهشني وجوده في بغداد! أصاب عقلي الذهول… إن كان هنا، فمَن يكون هناك إذًا؟
---
أنت تقرأ
شخوص متداخلة
Misterio / Suspensoفتاة مسيحيّة تجد نفسها في ليلة واحدة شاهدة على جرائم مروّعة، تُرغِمها أن تشيخ ثلاثين عامًا. تهرب مع شقيقتها إلى تركيا، ولا تملك عن القاتل المجهول سوى إشارة واحدة يتركها خلفه: الحرف F يتوهّج بالدم. مَن يكون هذا الطيف الغامض؟ وما غايتُه منها؟ بين دهال...
