لم أغادر الشقة طوال اليومين الماضيين. دانيال شدّد على صاحب الشقة أن يعتني بنا، وأوصاه بإغلاق الباب بإحكام، مرّ اليومان ببطء، حتّى جاءني إتصال منه ليبلغني بموعد السفر، رتّبت أغراضي في حقيبة صغيرة، أمسكتُ بيد كاردينيا، وخرجنا معًا فجرًا.
••••••
المكان: مطار أربيل
أنتظرنا هناك ساعتين، وهو لا يكفّ عن توصياتي، يكرر مرارًا: "اعتني بنفسكِ وبأختكِ." كنت أبتسم له مطمئنة، أومئ برأسي بالإيجاب.
قال لي والقلق واضح في عينيه: "قلبي لا يطاوعني أن أترككِ تسافرين وحدكِ مع كاردينيا أخاف عليكما، وإن حصل شيء، لن أكون إلى جانبكما للحماية! هذا يؤلمني كثيرًا"
أجبته بهدوء وأنا أضع يدي على يده- صحيح أنّها المرّة الأوّلى التي أسافر فيها وحدي، لكنني قادرة سأكون عونًا لنفسي ولأختي لن أسمح بأن يمسها سوء لا تقلق.
ابتسم بخفة، لكنّه لم يخفِ حزنه- أعرف أنكِ ذكية وقوية ولا تخشين أحدًا، وأنكِ قادرة على إدارة المواقف الصعبة لكن قلبي؟ كيف أقنعه أن يترككِ تسافرين بدوني؟ لا أعلم متى سأراكما.
أجبته وأنا أمسك بكفيه الدافئتين- لن يطول البعاد نرتّب أمورنا هناك، ثمّ نقرر إما أعود للعراق، وإن كان ذلك صعبًا، أو تأتي إلينا.
سَكتُ للحظات ثمّ ضمّني بذراعيه هامسًا: "نُور عيني، هل تعلمين أنّ حياتي رخيصة لأجلك؟" همستُ وأنا أبتسم: "ونِعْمَ الصديق، بل أفضلهُم." سمعنا صوت الموظف ينادي على الرحلة. قال بسرعة: "انتبهوا لأنفسكم. ولا تنسِ أن تتصلي بي. اقتني رقمًا جديدًا هناك، وإن حصل شيء، أبلغيني فورًا."
كاردينيا- سأشتاق إليك، دانيالو.
مسح على خدها مبتسمًا- أنا أكثر سأشتاق، هيا اذهبا، الرب معكما.
سرتُ قليلًا، ثمّ استدرت لأراه مطأطئ الرأس يمسح عينيه بتعب. نظرت إليه بتركيز رأيت دموعه لم أتمالك نفسي همستُ لكاردينيا:
"خذي الحقيبة وانتظريني لدقيقة"
ركضت نحوه، وما إن رآني حتّى مسح عينيه بسرعة: "هل أُلغي السفر؟ ما الأمر؟"
قلتُ بأسى وأنا أضغط على كتفه:
"دانيال، لا تبكِ... لأجلي"
حاول رسم ابتسامة لكنّها ارتعشت على شفتيه ضممته بقوّة وهمست في أذنه:
"أنت أكثر من صديقي" همس بصوت مكسور: "أتعلمين كم أنتِ غالية؟ أنتِ شمسي، وبعدكِ ظلام في ظلام، إن واجهتِ صعوبة، أصبري أنا لقوتكِ عون، بحقّ العذراء، الربّ يحفظكِ من كلّ سوء"
تنهدتُ: "وأنت أيضًا، بحقّ يسوع، اعتنِ بنفسك." ابتسم وهو يومئ: "حسنًا."
لوّحت له بيدي وهو يلوّح لي، ضحكت بخفة، وكررت الإشارة نفسها. قالت كاردينيا بنفاد صبر: "مرّت ربع ساعة وأنا أنتظر! ماذا كنتما تقولان؟" ابتسمت لها: "كلام لا يفهمه إلا الأصدقاء المقرّبون." ضحكتْ وضحكت معها، ثمّ انتبهنا للرحلة، فأمسكت بيدها وركضنا بسرعة الى الطائرة. جلستُ قرب النافذة، وعيناي تسرحان في جمال الغيوم ولون السّماء الممزوج بين الأبيض والأزرق. للحظة، شعرت أنني نسيت كلّ شيء خلفي، وكأن التعب تلاشى. التفتُّ إلى كاردينيا، وجدتها تبتسم أيضًا، وأخيرًا بعد ساعات وصلنا إلى تركيا. أوّل ما فعلته هو شراء شريحة هاتف، واتصلت بدانيال لأطمئنه بوصولنا، ثمّ تواصلت مع لورين بشأن الشقة. أرشدتنا إلى مكانها، كانت تابعة لأحد أصدقائها. وافقت فورًا على دفع الإيجار الشهري؛ لم أكن مرتاحة للسكن عند غرباء.
أنت تقرأ
شخوص متداخلة
Misteri / Thrillerفتاة مسيحيّة تجد نفسها في ليلة واحدة شاهدة على جرائم مروّعة، تُرغِمها أن تشيخ ثلاثين عامًا. تهرب مع شقيقتها إلى تركيا، ولا تملك عن القاتل المجهول سوى إشارة واحدة يتركها خلفه: الحرف F يتوهّج بالدم. مَن يكون هذا الطيف الغامض؟ وما غايتُه منها؟ بين دهال...
