اتسعت عيناي دهشة: ماذا تفعل هنا؟ أرجوك لا تخبرني أن أنّك المدير!
-اخفضي صوتك، يا شَرِسة.
صرخت: هل تسخر؟!، هل كنت تعلم أنني أعمل في هذه الشركة منذ البداية، ولم تخبرني حين التقينا؟!
رد ببساطة وهو يهز كتفيه: ربّما. أشار إلى الكرسي الّذي أمامه: تفضّلي.
-لا أريد.
-حسنًا، نعم، كنت أعلم.
أطلقت تنهيدة حارة: إذن لماذا لم تخبرني بذلك حين التقيتني بالأمس في الشارع؟ لماذا ادّعيت أنها صدفة؟
-لأنها كانت كذلك فعلًا.
صرخت باسمه مجددًا، بنبرة فقدت صبرها. "حسنًا، افصلني عن العمل. لا أريد البقاء هنا."
رفع حاجبيه: لِمَ؟
-السبب بسيط جدًّا يا إبراهيم، لا أشعر بالراحة في المكان الذي تتواجد فيه. في الواقع، أنا لا أرتاح لك أبدًا.
نظر إليّ طويلًا، ثمّ ابتسم وقال: تنطقين اسمي بشكل جميل.
تراجع بخطوات بطيئة، وجلس على الطاولة، ناظرًا إليّ بنظرة ماكرة: لن أفصلك.
ضحكت بسخرية حادّة: الأمر ليس بيدك. أنا قلت ما لدي، وعليك التنفيذ. سواء أتمّ فصلي أم لا، فلن آتي هنا مرّة أخرى.
سكت لحظة، ثمّ قال بنبرة جدّية: فكّري بأختك الصغيرة، من أين تقتنين دواءها إن لم يكن لديكِ مال كافٍ؟
أجبته بذهول: وكيف عرفت بأمرها؟
ابتسم بخبث: أخبرتني العصفورة.
-جعلتني أتأكد بأن قراري صائب، لن أعمل هنا، وداعًا، والأفضل أن تتظاهر بأنّك لا تعرفني إن صادفتني في الطريق، ولا تقترب مني أبدًا لأنّي سأكون شَرسة تمامًا كما تقول.
كنت أتحدث بانفعال بينما كان هو يبتسم، غير مبالٍ بثورتي، تمتمَ، وهو يتأمّلني بعينيه للحظات: عيناكِ السوداوان، وتلك الشامة الجميلة...كأنكِ تحملين بين ملامحكِ جمال الكون، وقد ابتُليتُ بكِ بلاء لا يُحتمل.
توقفتُ لدقائق أردت كلمة واحدة فقط تعبر عن موقفي المذهول، أجبته بعصبية: أيُّها المُتهتِّك، أيُّها العابث، ليأخذك الربّ! حسنًا؟
ضحك بصوت عالٍ، بينما كنت أرمقه بنظرات حانقة، غادرت المكتب دون أن أقول شيئًا آخر. كان الجميع يرمقنا بنظرات مندهشة، وكأنّهم سمعوا كلّ ما دار بيننا. استدرت إليهم بعصبية: على ماذا تندهشون؟ تكلموا!
لكن لم يرد أحد، بدا أنهم لم يفهموا شيئًا من الذي قلته. خرج إبراهيم بعدي، وقال بالتركيّة الصارمة: الجميع إلى العمل فورًا.
فعلوا، دون أن يجرؤ على الإعتراض. رمقته بنظرة حقد، فبادلني إياها بابتسامة هادئة. غادرتُ بخطى سريعة، وبينما كنت أنزل السلالم، أمسك بيدي."انتظري، لا تذهبي!"
نظرت إلى يده التي شدّت على يدي بقوّة. قلت له وعيناي في عينيه:"أولًا، اترك يدي."
فعل، ثمّ وقف متكئًا على خاصرته:"لماذا تحكمين على شخص لا تعرفينه بهذه القسوة؟"
أنت تقرأ
شخوص متداخلة
Mystery / Thrillerفتاة مسيحيّة تجد نفسها في ليلة واحدة شاهدة على جرائم مروّعة، تُرغِمها أن تشيخ ثلاثين عامًا. تهرب مع شقيقتها إلى تركيا، ولا تملك عن القاتل المجهول سوى إشارة واحدة يتركها خلفه: الحرف F يتوهّج بالدم. مَن يكون هذا الطيف الغامض؟ وما غايتُه منها؟ بين دهال...
