٢

40K 3.2K 3.1K
                                        

جالسَين على الرصيف، أمامنا منزلنا يشتعل بالنيران. أقبل أختي برجفة، أحاول تهدئتها، أحاول أن أمنع الانهيار لكن داخلي كان ينهار كنا قد علمنا قبل دقائق أن أهلنا قُتلوا قبل أن تلتهمهم النيران. وصلت سيارات الإطفاء، ترجل رجالها يركضون وسط اللهب، مرّت دقائق طويلة كأنّها دهور ثمّ خرجوا وهم يحملون نقالتين، كلّ منهما مغطاة بملاءة بيضاء. اقتربتُ بخطى مُنكِّسة، وكأن الأرض أثقل من أن تحملني، مددتُ يدي لأزيح الغطاء، فصرخ أحد رجال الإطفاء بصوت مشوب بالتحذير "جُسَداهما محترقان بالكامل... لن تحتملوا رؤيتهما."

صرخت أختي وهي تجهش بالبكاء "بحق العذراء، دعني أراهما أريد وداع أمي وأبي للمرّة الأخيرة"

هزَّ رأسه رافضًا، فشعرت أن شيئًا بداخلي يتحطم عصرتُ يدي، استجمعت آخر ما تبقى من قواي، ورفعت الغطاء. لم أتحمّل وجهيهما لم يعودا لهما، مجرد قطعة سوداء، متفحمة، بلا ملامح!

مشهد لا أستطيع تصديقه وضعت كفي على عيني أختي، احتضنتها بشدة وهي تصرخ وتبكي وتنتحب سقطنا على الأرض، وأنا أحاول احتواء انهيارها ودموعها تغرق التراب تحتنا. توقفت سيارة سوداء بجوارنا. خرج منها رجل طويل القامة، خطواته واثقة، بهيئة رسمية خضراء مزينة بنجوم ذهبية على كتفه. تقدّم نحونا، عيناه على الجثث، ثمّ ثبت بصره علينا، قال بصوتٍ مهيب "لا إله إلّا الله، إنّا لله وإنّا إليه راجعون الرحمن يرحمهم، البقاء لله."

لم أجب كنت مشغولة بتهدئة أختي نُقلت الجثامين إلى سيارة الإسعاف، ومعها روحي لم أعد أشعر برجليّ، همست في أذن أختي وأنا أضغط على يدها "خذي نفسًا عميقًا، لا تنهاري أرجوكِ من أجل المسيح" لكن جسدي لم يحتمل. تهاوى بصري، وتشوشت رؤياي، صرتُ أراها شخصين، ثمّ سقطتُ.

•••

الساعة العاشرة والنصف صباحًا - مستشفى الطوارئ المركزي.

فتحت عيني ببطء، الضوء الأبيض اصطدم بوجهي، لكنه لم يبدّد الظلمة التي انعقدت داخلي. كلّ شيء كان ضبابيًا رأسي مثقل، أنفاسي متقطعة، أحسست بوخز الكانيولا في يدي، ورائحة المطهرات تحاصرني. أمامي أجهزة تومض، رأيت الساعة كانت السابعة صباحًا علمت حينها أني نمت لساعات طوال، كان الضابط والدكتور واقفين بقرب رأسي يتحدثان وجهيهما معقود بالقلق، تنبه الضابط أنّي استيقظت فقال بهدوء"كيف حالكِ الآن؟"

لم أُجب. لم أملك طاقة للكلام، فالصوت في داخلي كان يصرخ بصمتٍ مرير: "لا تسألني عن حالي، فأنا فقدت ملامح نفسي البارحة"

كنت أُجاهد كي لا أنهار أمامهم ولكن الحقيقة أنني كنت منخورة من الداخل، فارغة، مُجردة من كلّ ما يمنح الإنسان قدرة الوقوف. كرهت نفسي، واحتقرت هذا الضعف الذي لا يشبهني هذا ليس مكاني ولن أسمح أن أكون هنا مرّة أخرى.

قلت لهم إنني بخير، وإنني لا أحتاج للبقاء أعترض الدكتور لكن لم أكترث أمسكت بأختي للخروج قالت لي بعد أن أحتضنتني خائفة "إلى أين نذهب؟ لم يعد لدينا بيت"

شخوص متداخلةحيث تعيش القصص. اكتشف الآن