من الصعب أن يشاهد الإنسانُ الموتَ ماثلاً أمامه، خصوصاً حين يكون مشهداً وحشيّاً يفوق طاقة البشر على الاحتمال؛ جسدٌ غارق في الدماء، عيناه منزوعة، ويداه مبتورة. العقل يكاد ينفجر، والقلب يتوقف من هول ما يرى.
شهقتُ بقوة وتراجعتُ خطواتٍ عن سيارتي، وصوتي يختنق بالذعر:
– قتيبة… مَن قتلك؟ ولماذا في هذا الوقت؟ ولماذا تحت سيارتي؟
وضعتُ يديّ على وجهي وأنا أصرخ بحرقة:
– يا إلهي… رحمتك!
المنظر أمامي لا يُحتمل، ومن المستحيل أن يراه بشرٌ سويٌّ دون أن يفقد صوابه. جسدي كله يرتجف، وصوت أبواق سيارةٍ خلفي يزداد ضجيجاً. حاولت أن أنطق بكلمة واحدة فلم أستطع؛ لساني شُلّ، وحلقي انغلق. أخذت أضرب قدمي على الأرض بقوة وأنا أصرخ وسط الشارع، والجثة ما تزال أمامي والسيارة من خلفي تُطلق الأبواق بلا انقطاع.
تقدمتُ بارتباك إلى الخلف، أريد أن أصل إلى السيارة، فركضتُ نحوها بلا وعي. وفجأة توقف الصوت. توقفت السيارة عن إطلاق الأبواق، ووجدتني واقفةً أمامها بشجاعةٍ يائسة. طرقتُ زجاجها بإصرار حتى انخفض الزجاج بهدوء. في تلك اللحظة شددتُ قبضة يدي وأنا أرى وجه قاتل أبي… ذلك المجرم العاشق للدماء وقتل الأبرياء.
لم يظهر من ملامحه سوى عينين حمراوين لامعتين، حادتين بشكل غير بشري، يحيط بهما إرهاقٌ ومرضٌ وغموض؛ عينان كعيني صقرٍ يترقّب فريسته. كان وجهه مخفياً وراء قناعٍ أسود، وهو… هو الـ(F).
تراجعتُ خطوتين إلى الوراء مذعورةً مرتجفة. انفتح باب السيارة ونزل منها بكل جبروت. لمحتُ ساعةً سوداء تلمع على معصمه، وفي يده مسدس أسود. حاولتُ جمع قواي؛ هو ليس رجلاً عادياً بل قاتلٌ محترف. كنت أحاول أن أنسى جثة قتيبة لأفكر في مهربٍ من هذا الموقف المستحيل.
نظرتُ إلى سيارتي محاوِلةً تذكير نفسي بالهرب. وبمجرد أن خطوت خطوةً للأمام أطلق رصاصةً بجواري. فزعتُ، وانهمرت دموعي كردة فعلٍ تلقائية على صوت الطلقة. شعرت أن قلبي توقف. التفتُّ إليه فرأيته واقفاً، يستند إلى السيارة ويلعب بالمسدس حول إصبعه. نطقتُ بصوت متقطع وارتجاف واضح:
– دعني أذهب… لماذا تريد إيذائي؟
كان صوته الحقيقي يخرج لأول مرة حين أجابني ببرود:
– لا مفرّ، أيتها المثيرة.
ارتعش جسدي كله. نظرتُ إلى مسدسه وأنا أقول:
– صرتُ أعرفك… لا تحاول أن تخفي نفسك. رأيتُ صورتك وعرفتُ كل شيءٍ عنك… اسمك ومعلوماتك. انزع القناع.
ابتسم باستهزاء وقال ببرودٍ قاتل:
– ولهذا السبب سوف أقتلك.
صرختُ بحرقة:
– إلى أين تريد أن تصل؟ أما اكتفيت بما فعلته بي وبماتيلدا؟ كم قتلتَ من الأبرياء؟ أما شبعتَ دماً؟
أومأ برأسه بالنفي، وضحك ضحكةً عالية مرعبة جعلت جسدي كله يقشعر.
قلتُ وأنا أكاد أبكي:
– لماذا تفعل هذا؟ ما غايتك من قتل الناس وتدمير حياتهم؟ ما هذا الحقد الذي تحمله في قلبك؟ وما هذا البرود الذي يتيح لك أن تقتل بكل هذه السهولة؟
أنت تقرأ
شخوص متداخلة
Mystery / Thrillerفتاة مسيحيّة تجد نفسها في ليلة واحدة شاهدة على جرائم مروّعة، تُرغِمها أن تشيخ ثلاثين عامًا. تهرب مع شقيقتها إلى تركيا، ولا تملك عن القاتل المجهول سوى إشارة واحدة يتركها خلفه: الحرف F يتوهّج بالدم. مَن يكون هذا الطيف الغامض؟ وما غايتُه منها؟ بين دهال...
