٨

18.4K 1.9K 1.8K
                                        

ابتسم بخفوت قائلًا: مقبولٌ كُلُّ شيءٍ منكِ.
رمشتُ بعيني في دهشة وقلتُ له بارتباك:
–لقد أرعبتني حقًا! لا أعلم من أين تظهر فجأة، وكلّ حينٍ تهمس في أذني بنبرةٍ شرسةٍ وقويّة... اللّه يأخذك ويأخذني معك! لم تبقَ لي قوّة بعدكَ، لقد أفقدتني صوابي!

استوعبتُ الموقف متأخرةً، فتراجعتُ خطوةً إلى الوراء وقلتُ بانفعال:
–أخرج من هنا، رجاءً!
وضع يديه على صدره متحديًا وقال:
–قولي لي، لِمَ أنتِ منزعجة؟
–دون سبب.
ضحك بخفةٍ وقال:
–يا فتاة، سأُحرِق الشركة على رأس كلّ من يزعجكِ.
نظرتُ إليه بحدّةٍ وقلتُ ساخرة:
–حسنًا.

تقدّم نحوي بخطواتٍ ثابتة حتى صار قريبًا جدًّا، قربٌ أربكني وجعل الكلمات تتبخر من فمي والحروف تتبعثر.
–وما شراستكِ كلُّها إلّا قناعٌ تخفين به قلبًا هشًّا لا حدود لهشاشته.

صمتُّ، أحدّق في عينيه بلا قدرةٍ على الرد. لا أعلم لماذا يخنقني الصمت كلّما اقترب منّي، يتبعثر كلامي وأبدو كمن يتلعثم.

–هل تعلمين شيئًا؟
-ماذا؟
-أنتِ ألطفُ كائنٍ شرسٍ قد ألتقيه يومًا.
أجبتُ بحرج:
–جيّد.
ضحك على ردي الطفولي، ثمّ تقدّم خطوةً أخرى. قلتُ متوتّرة:
–إبراهيم، ألسنا اتّفقنا على أن نكون أصدقاء؟
–وهل خالفتُ؟
–لا تتقرّب منّي... ما كان اتفاقنا؟
– أيّ اتفاق؟
نظرتُ إليه بحدّة
–إن لم تخرج...
–ماذا ستفعلين؟
صمتُّ أبحث عن كلماتٍ تتطاير كالدخان.
–مستفِزّ!
همس قريبًا من أذني:
–ممم... قلتِ إنّكِ فقدتِ صوابكِ بسببي؟
–إبراهيم، أخرج فورًا!
–وأفقدتُ عقلَكِ كما تقول أختُكِ؟
–هذا يكفي! أخرج حالًا!
ابتسم بخبث:
–ولِمَ يخفق قلبكِ بهذه القوّة إذًا؟
وضعتُ يدي على صدري متفاجئةً، صدقًا كان قلبي يخفق كأنّي كنتُ أركض أو أحارب... والتفتُّ إليه مصدومة.
–سأخرج، لكن تذكّري، التفكير المفرط ليس جيّدًا لأنثى قويّة مثلكِ، قد يسبّب لكِ شللًا حقيقيًّا.
–شكرًا على المعلومة يا مديرنا الفيلسوف.
ضحك على المفردة، وقال:
–هل تشعرين أحيانًا أنّ رأسكِ يعمل مثل أسطوانةٍ قديمة، أو كجهاز راديو لا يتوقّف عن الدوران؟ أفكارٌ تلتفّ حول نفسها بلا توقّف، لا تستطيعين تجاوزها أو الهرب منها؟
أومأت برأسي بخجل:
–نعم، صحيح.
–وتشعرين أنّ عقلكِ لا يتوقّف عن التفكير حتّى أثناء النوم، فتستيقظين مرهقة وكأنّكِ لم تنامي أصلًا؟
–إي.
–إذًا، أنتِ تعانين ممّا نسمّيه "مرض التفكير المفرط". لأنّكِ دائمة القلق، تكرّرين لنفسكِ أخطاء الماضي، تطرحين على نفسكِ دائمًا أسئلة "ماذا لو؟"، وتمضين وقتًا طويلًا تفكّرين في أحداثٍ مضت أو تقلقين بشأن مستقبلٍ لم يأتِ بعد، لدرجة أنّكِ تنسين اللحظة التي تعيشينها الآن.

صمتُّ، مصدّقةً كلّ حرف.
–لديك الحلّ؟
–لكلّ داءٍ دواء... يا شرستي.
ابتسمتُ رغمًا عنّي حين نطق لقبي بدأ يكون المُفضّل لدي. قال وهو يجلس على طرف المكتب كطبيبٍ يحاضر: "هذا المرض يجعل الإنسان يبالغ في تحليل كلّ ما حوله، حتّى يشعر أحيانًا أنّ رأسه سينفجر من كثرة الأفكار. قد يفوّت أحداثًا من حوله، ويغرق في البحث عن معنى أعمق لكلّ فكرة تراوده، فيشعر أنّه على وشك الجنون... مع أنّكِ أصلًا لديكِ خيطُ جنونٍ صغير.
–حقًا! سأغادر!
–دعيني أكمل يا فتاة.
ضحكتُ وأنا أضرب كتفه:
–أسرع، قبل أن أغيّر رأيي.
–حسنًا، عادةً ما تؤدي كثرة التفكير إلى نوعٍ من التفكير السلبي، يُسمّى بالأفكار المتداخلة، تدفع الشخص للشعور بالمشاعر السيئة والانزلاق نحو القلق والاجترار والهوس.
ضحكتُ وقلت:
–مدير وضابط وطبيب!
– رأيتِ؟ ما شاء الله عليّ أخاف أن تحسديني، ماذا أفعل إذا كنت بهذا الذكاء.
-يحفظك الله يا هذا، حسنًا أُكمل، أريد الحل من فضلك.
-الآن أعطيكِ الحلّ، لكن لاحقًا، تابعي عملكِ يا صديقتي، وإن احتجتِ شيئًا، تعالي إلى مكتبي.
ابتسمتُ:
–تمام، يا صديقي.
غمز لي وخرج.
جلستُ على الكرسي أُسند رأسي إلى المكتب بين الأوراق والملفّات، أحسستُ أنّ رأسي سينفجر. دقائق قليلة مرّت قبل أن يُطرق الباب.
–تفضّل؟
دخلت العاملة تحمل كوب قهوة، وقالت:
–هذا من حضرة المدير.
وضعتْه على المكتب، فشكرتُها وخرجت. مددتُ يدي إلى الكوب، فرأيتُ عليه لاصقةً بيضاء. فتحتُها، كُتب فيها: "التفكير ليس جيّدًا لأنثى قويّة. اشربي القهوة وابتسمي.

شخوص متداخلةحيث تعيش القصص. اكتشف الآن