صدمات

972 36 2
                                        

"الصمت متعب لكنه يبقى ارقى وسيلة للرد على الكثير"

_____________________

في زنزانةٍ لا تشبه السجون، بل تتجاوزها رعبًا، تتكدّس أدوات التعذيب بكثرةٍ مرعبة، ويغلفها لون أبيض ناصع يمنحك شعورًا خانقًا وكأنك عالق داخل مصحّةٍ نفسية.
لكن ما يفتك بالأعصاب حقًا هو نظام الإضاءة المبرمج بدقة؛ أضواء تنبعث من كل اتجاه في ساعات محددة، تتحول فجأة إلى الأحمر الناري... أحمر كلون الدم، كلظى النار ولهيبها، وكأن الجدران نفسها تنزف.

في ذلك المكان المشؤوم، يقبع جسد تلك المسكينة... الممرضة التي أخطأت باسم الحب، وها هي تتلقى عقابها، لا على يد أيٍّ كان، بل على يد أقسى البشر وأوحشهم.
إريك... ومن غيره؟

الرجل الوسيم، الشهم، القوي، الوفي. محبوب الجماهير أمام العامة. تحيط به المعجبات والمهووسات وكل الأصناف التي لا يرغب بها. لا يريد الخوض في هذا المستنقع، فهو يعرف نفسه جيدًا؛ ولو تعمق، لثار دمه وزاد غيظه.
هو ليس مستعدًا لقتل كل من يسيء له باسم الإعجاب والحب.

من قد يحتمل أن يجد روايات وقصصًا مكتوبة عنه، يكون هو بطلها، وهي محض خيال مريض تحوّل إلى واقع بفعل كلمات كاتب؟
من قد يحتمل أن يرى صور عائلته وأحبته معروضة على مرأى العالم؟
من قد يحتمل أن يصبح صورته الشخصية خلفية هاتفٍ لشخص لا يعرف حتى بوجوده؟

كان يتقزز من ذلك.
فكثيرًا ما صادف وسمع عن هذه الأمور. عالمنا ليس بئر أسرار؛ كل شيء سينكشف، ولو بعد حين، حتى وإن اختبأ خلف شاشة هاتف أو حاسوب.
سيأتي يوم وينزعج المعني بالأمر... وهو المعني دائمًا.

لم يكن يفهم سبب هذا التركيز المَرَضي عليه وعلى عائلته.
هو مجرد رجل عمل بجد، وحقق حلمه، ولا يزال يطمح للمزيد. النجاحات بالنسبة له تحديات يجب كسبها. يكره الخسارة، لكن الأمر ليس جللًا إلى هذا الحد.

فلماذا الصحافة تصرّ على اقتحام حياته؟
لا يمر يوم دون أن يجد نفسه عنوانًا رئيسيًا.
ما مشكلتهم معه؟
هل هناك من يتربص له؟

أن تعلم أنك مراقَب أربعًا وعشرين ساعة، سبعة أيام في الأسبوع، أمر خانق... وقد يستمر ذلك حتى وفاتك.
وسيفرحون حتمًا بنشر خبر وفاة رجل الأعمال الشهير، فاحش الثراء: إريك كوينفور.
سيصورون جنازته، دموع عائلته، بكاء أطفاله...
مجرد التفكير في الأمر يدفع للغثيان.
فكيف بحاله وهو محور كل ذلك؟

كان يجلس أمام القابعة في تلك الغرفة.
فقدت الوعي فور دخولها. لم يكلّف نفسه عناء فحص نبضها أو حملها إلى سرير.
ليست كل حالات الإغماء بشرى خير.

أمر رجاله بتعليقها.
قُيِّدت يداها بحبلٍ يتدلّى من السقف.

سكب على وجهها زجاجة ماء باردة، تحطمت على ملامحها، وتناثرت شظاياها، لتبدأ الدماء بالتقاطر من الجروح.
فتحت عينيها بتشوش، ثم اتسعتا فجأة، وخرج صوتها متلعثمًا:

زوجة الأبقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن